حضارة وتاريخسلايدر

عالمة مصريات ترصد التفاعل المستمر بين البيئة والنظام الاجتماعي والمعتقدات الشعبية

كتب: د. عبد االرحيم ريحان
تُعد الشخصية المصرية الحديثة ثمرة تراكم حضاري طويل تشكّل عبر آلاف السنين من التفاعل المستمر بين البيئة والنظام الاجتماعي والمعتقدات الشعبية. وقد احتفظت بعض مظاهر الحياة في الريف والصعيد بسمات ثقافية تعكس امتدادًا لبعض الممارسات اليومية التي عرفها المصريون القدماء. ومن ثم فإن العلاقة بين الشخصية المصرية المعاصرة وجذورها القديمة هي علاقة استمرارية وتأثر وتجدد، وليست علاقة جمود أو توقف.
وفى هذا الإطار تشير الدكتورة علا العبودى أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار جامعة القاهرة إلى أن الحياة اليومية في كثير من القرى المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين كانت تقوم على أساليب تقليدية في إعداد الطعام، وصناعة الأدوات اليومية، وتنظيم الاحتفالات الاجتماعية. وتجد هذه الممارسات صدى واضحًا في مناظر الحياة اليومية المصورة على جدران المقابر المصرية القديمة؛ إذ تُظهر مقبرة نخت (TT52) الواقعة في منطقة شيخ عبد القرنة بالبر الغربي للأقصر، والتي تعود إلى الدولة الحديثة، مشاهد تفصيلية للزراعة، بدءًا من حرث الأرض وبذر القمح، مرورًا بمراحل الحصاد، وانتهاءً بمناظر كيل الغلال وتذرية الحبوب، وهي الخطوة الأولى في صناعة الخبز الذي كان يُخبز لاحقًا في أفران طينية تشبه في طبيعتها الأفران المستخدمة في القرى المصرية حتى وقتنا الراهن. أما في مناظر مقبرة مننا (TT69)، التي تقع هي الأخرى في شيخ عبد القرنة، ظهرت تفاصيل العمل الدقيقة، مثل الفتاتين المتشاجرتين، والفلاح الذي استولى عليه النعاس تحت ظل شجرة مما يعكس استمرار نمط الحياة الزراعية في الريف المصري عبر عصور متعاقبة. أما مقبرة مكت رع بالدير البحري، والتي تعود إلى عصر الدولة الوسطى (الأسرة الثانية عشرة، حوالي 1981-1975 ق.م)، فتقدم نموذجًا دقيقًا من خلال التمثال الخشبي المعروف بـ”حاملة القرابين”، الذي يصوّر امرأة تحمل فوق رأسها سلة كبيرة، وتمسك في يدها بطة، وهو يجسّد بدقة ممارسة يومية شائعة في المجتمع المصري القديم، ظلت حاضرة في الحياة الريفية المصرية حتى وقت قريب. وهكذا، تكشف مناظر الحياة اليومية المسجلة على جدران هذه المقابر استمرار بعض أنماط العمل والمعيشة التي شكلتها البيئة المصرية وظلت حاضرة بأشكال متجددة.
ورغم أن المصري المعاصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخاصة في صعيد مصر، قد لا يكون على دراية تفصيلية بما هو مدوَّن على جدران المعابد والمقابر من نصوص ومناظر، فإن ارتباطه بالأماكن الأثرية ظل حاضرًا في الوعي الشعبي. فقد اكتسبت بعض المواقع الأثرية دلالات رمزية تتعلق بالتبرك والحماية والشفاء وطلب الأمل في مواجهة المشكلات المستعصية.
عادات وتقاليد المصريين
توضح الدكتورة علا العبودى أن هذه الصورة مع ما سجله الرحّالة إدوارد وليم لين في كتابه، عادات وتقاليد المصريين، لتوضيح انتشار المعتقدات الشعبية المتعلقة بالحسد والتبرك في القرن التاسع عشر. وكذلك ما سجلته أميليا إدواردز في رحلاتها بصعيد مصر عام 1877 حول نظرة بعض الأهالي إلى المواقع الأثرية. هذه العلاقة الشعبية بالمعبد تعكس استمرار فكرة كانت معروفة أيضًا في بعض الممارسات الشعبية في مصر القديمة ارتبطت باللجوء إلى المعبد لطلب ‘الحلم الواضح’ (الاستخارة)، أو استشارة الوحي أو العلاج، أو سؤال الكهنة عن الطالع أو أيام السعد والنحس، أو حتى اللجوء إليه لفض المنازعات.
وقد وثّق العلامة أحمد أمين في كتابه “قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية” كثيرًا من هذه الممارسات، راصدًا كيف أن المصريين احتفظوا بعاداتهم في المأكل والملبس والمشرب والتعامل مع الأماكن المقدسة، مؤكدًا أن هذه الظواهر ليست مجرد بقايا ماضٍ، بل هي جزء حي ومتفاعل في ثقافة المجتمع. كما أن الباحث البارز حسن الشامي، أحد أبرز دارسي الفولكلور العربي، أبرز دور المعتقدات الشعبية المرتبطة بالحسد والتبرك والحماية والشفاء في تشكيل السلوك الاجتماعي عبر الأجيال، دون أن يعني ذلك وجود عادة عامة ومنظمة لزيارة المعابد المصرية القديمة لهذه الأغراض.
السينما تجسيد للهوية
تنوه الدكتورة علا العبودى إلى أن السينما من أهم الوسائط الفنية التي تسهم في توثيق الحياة اليومية للمجتمعات، إذ تحفظ في صورها ومشاهدها تفاصيل العادات والمعتقدات وأنماط المعيشة، وتكشف عن استمرارية بعض العناصر الثقافية عبر الأجيال.
وتبرز أهمية السينما في قدرتها على توثيق المظاهر الاجتماعية للمجتمعات، ونقلها للأجيال اللاحقة بوصفها شاهدًا بصريًا، ومن هذا المنطلق، جسّد فيلم “الطوق والأسورة” للمخرج خيري بشارة، والمقتبس من رواية الأديب يحيى الطاهر عبد الله، هذه العلاقة بوضوح من خلال تصويره للحياة في صعيد مصر في أوائل القرن العشرين من خلال معالجة درامية وفنية. ففي الفيلم يظهر المعبد بوصفه مكانًا يتجاوز كونه أثرًا تاريخيًا، ليصبح في وعي البعض ملاذًا رمزيًا لحل المشكلات أو فك ما يُعتقد أنه ضرر أو حسد.
وفي الوقت نفسه، يبرز الفيلم المفارقة بين نظرة الأجانب إلى الأقصر باعتبارها مقصدًا للاستمتاع بالآثار، وبين ارتباط سكان المنطقة بهذه المواقع من خلال ممارساتهم اليومية وذاكرتهم الشعبية. فالمعبد هو الذي تأتيه “فهيمة” لتطلب الإنجاب، وتأتيه “حزينة” لتشكو همومها، وكأن الزمن قد توقف عند تلك الجدران التي ظلت شامخة قرونًا طويلة. غير أن هذه الممارسات تحولت حديثا في الوعي الشعبي لزيارة الأضرحة، مما يعكس تجدد الرمز مع ثبات الوظيفة الاجتماعية.
غير أن الفيلم لا يكتفي بتصوير هذه الممارسات، بل يعتمد في سرد رؤيته على لغة بصرية دقيقة جعلت من المشاهد وحدات فنية تقدم نقدًا اجتماعيًا عميقًا لاستمرار بعض العادات وأنماط السلوك المشبعة بتفاصيل الحياة اليومية المصرية القديمة. فالجدران الطينية، والأسقف المصنوعة من الجريد، والفرن البلدي، وموكب جهاز العروسة، وطريقة الحدادة، والتحطيب، وفوق كل هذا ضوء الشمس الحاد الذي يرسم ظلالًا طويلة على وجوه الشخصيات، كلها عناصر تعزز الإحساس بالارتباط بالجذور وباستمرار بعض أنماط الحياة التقليدية.
ومن ثم، فإن قراءة هذه الاستمرارية الثقافية من خلال الفيلم تسهم في فهم أعمق للهوية المصرية بوصفها نتاجًا لتفاعل طويل بين الماضي والحاضر، حيث تتجدد بعض العناصر التراثية داخل سياقات اجتماعية وتاريخية متغيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights