
سيهرعون إليك يومًا، لا لأنهم استعادوا ما فات من ودّك، ولا لأنهم أدركوا قيمتك متأخرين، بل لأن الموت يوقظ في النفوس ما تعجز الحياة عن إيقاظه. سيتسابقون إلى حمل نعشك، وإلى السير خلفك، بعدما أصبحت رحلتك الأخيرة أبعد من كل خلاف، وأصدق من كل مجاملة.
أما أنت، فستكون قد غادرت صخب الدنيا وضجيجها، تاركًا وراءك المناصب والألقاب والمظاهر، واقفًا بين يدي ربك، لا تحمل إلا عملًا أخلصت فيه، وخيرًا زرعته، وأثرًا طيبًا أبقيته في حياة الناس.
وقد بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بقوله:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
وسيكون للمشهد وجهٌ آخر؛ سيستقبل بعض الناس المعزين، ويتبادلون كلمات العزاء والمجاملات، وقد ينشغل آخرون بالمظاهر والصور واللقاءات، كما يحدث في كثير من المناسبات التي تختلط فيها المشاعر بالشكليات.
لكن كل ذلك لن يعود يعنيك.
لن يهمك من حضر أولًا، ولا من جلس في الصفوف الأولى، ولا عدد أكاليل الزهور، ولا كلمات الرثاء التي قيلت بعد رحيلك؛ فقد انقضت الدنيا بكل ما فيها، وبقي ما هو أعظم وأبقى.
هناك، لا قيمة لوجاهة، ولا لمال، ولا لنسب، ولا لعدد المشيعين. هناك ميزانٌ لا يميل، وعدلٌ لا يحابي، وحقيقةٌ لا تخفى على الله. وهناك يدرك الإنسان أن أثمن ما يملكه ليس ما جمعه في الدنيا، بل ما قدمه لآخرته.
في ذلك اليوم، قد تشرق وجوهٌ بنور ما صبرت عليه من ابتلاء، وما قدمته من خير، بينما تثقل وجوهٌ أخرى بما اقترفته من ظلم، وما حملته للناس من أذى، وما بثّته في القلوب من حسد، وما خلّفته الكلمات الجارحة من جراح لا تندمل.
فالسعادة الحقيقية ليست في شهرة الاسم، ولا في كثرة المادحين، ولا في تصفيق الناس، وإنما في قلبٍ سليم، وعملٍ صالح، ورحمةٍ بالخلق، وإخلاصٍ للخالق.
فلا تحزن إن جحد الناس معروفك، ولا تيأس إن أثقلوك بظلمهم، ولا تنتظر من الخلق جزاءً ولا شكورًا؛ فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وهو سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ما أقصر الدنيا، وما أسرع انقضاءها، وما أعظم ذلك اليوم الذي يقف فيه كل إنسان بين يدي ربه، لا يصحبه مال، ولا جاه، ولا سلطان، وإنما يصحبه عمله، وما تركه من خير يجري أجره، ودعوة صادقة خرجت من قلبٍ أحبه.
فهنيئًا لمن عاش بقلبٍ نقي، ولسانٍ صادق، ويدٍ تمتد بالخير، ورحل وقد خلّف أثرًا طيبًا في القلوب، واستقبله ربه برضاه ورحمته؛ فذلك هو المرحوم السعيد حقًا، وإن ظنه بعض أهل الدنيا يومًا من المحرومين.
ثمرات الفكر:
افعل ما يُخلِّد محبتك في قلوب الناس؛ فالمحبة الصادقة هي أعظم ثروةٍ يتركها الإنسان بعد رحيله، وأجمل أثرٍ يبقى له في الدنيا. ؛ فإن أعظم ثروةٍ يملكها الإنسان ليست مالًا ولا جاهًا، وإنما محبةٌ صادقة يودعها الله له في قلوب عباده. فإذا رحل، بقي ذكره الحسن، واستمرت الدعوات الصادقة تسبقه إلى السماء.وللأفكار ثمرات مادام في العقل كلمات وفي القلب نبضات مادام في العمر لحظات…
Journalistalaa7@gmail.com
علاء الدماصي




