
دكتور قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، واتحاد الآثاريين المصريين، والرابطة العربية للإعلاميين العلميين
لم تتحول مصر إلى العربية فور دخول عمرو بن العاص سنة 641م، بل جرى انتشار اللغة العربية تدريجيًا على مدى عدة قرون، من خلال الإدارة والتجارة والهجرة والتعليم والدين والاختلاط الاجتماعي.
قبل دخول العربية
كانت اللغة المصرية قد مرت بمراحل طويلة: المصرية القديمة، ثم الوسطى والمتأخرة، فالديموطيقية، وأخيرًا القبطية، وهي آخر مراحل اللغة المصرية القديمة. وفي عهد البطالمة والرومان والبيزنطيين استُخدمت اليونانية في الإدارة ودوائر الحكم، بينما ظلت القبطية لغة قطاع واسع من المصريين، ولا سيما في الريف والصعيد.
المرحلة الأولى: العربية لغة الفاتحين والإدارة الجزئية
بعد فتح مصر، تركز العرب في الفسطاط وبعض المراكز العسكرية. وظلت اليونانية مستخدمة في دواوين الدولة، والقبطية لغة المصريين اليومية في مناطق واسعة. ولذلك لم يقع إحلال لغوي سريع، ولم يستبدل السكان المصريون لغتهم بالعربية خلال سنوات قليلة.
كانت العربية في البداية لغة الجيش والحكام والجماعات العربية الوافدة، ثم أخذت تدخل الأسواق والمعاملات والاتصال بالسلطة.
تعريب الدواوين
مثّل تحويل دواوين مصر من اليونانية إلى العربية في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ونُفذ في مصر خلال ولاية ابنه عبد الله بن عبد الملك، نحو سنة 705–706م، نقطة تحول مهمة.
أصبحت معرفة العربية ضرورية لمن يريد العمل في الإدارة أو التعامل مع الدولة. وانتشرت بالتدريج بين الكُتّاب وجباة الضرائب والتجار وسكان المدن، لكن القبطية استمرت في الحياة اليومية وفي بعض الوثائق المحلية.
من الثنائية اللغوية إلى غلبة العربية
بين القرنين الثامن والعاشر عاشت مصر مرحلة من الثنائية اللغوية؛ فكان بعض السكان يتحدثون القبطية ويستخدمون العربية في المعاملات الرسمية. وتكشف البرديات وجود وثائق باليونانية والقبطية والعربية، وأحيانًا بأكثر من لغة في الوثيقة الواحدة.
وساعد على انتشار العربية:
- تحولها إلى لغة الإدارة والقضاء والتجارة.
- انتشار الإسلام، واستخدام العربية في القرآن والعبادة والتعليم.
- هجرة جماعات وقبائل عربية إلى مناطق مختلفة من مصر.
- المصاهرة والاختلاط بين العرب والمصريين.
- حاجة السكان إلى العربية في التعامل مع مؤسسات الدولة والأسواق.
- انتقال مركز النشاط السياسي والاقتصادي إلى الفسطاط، ثم القاهرة.
- تحول الأدب والعلوم والكتابات الدينية تدريجيًا إلى العربية.
متى أصبحت العربية لغة الأغلبية؟
لا يمكن تحديد سنة واحدة أصبحت فيها مصر عربية اللسان. والأرجح أن العربية بدأت تتفوق على القبطية تدريجيًا بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين، مع اختلاف كبير بين المدن والريف وبين الدلتا والصعيد.
كانت العربية أسرع انتشارًا في الفسطاط والإسكندرية والمدن ومراكز التجارة، بينما ظلت القبطية حية مدة أطول في قرى الصعيد وبعض المناطق الريفية. ومع حلول القرنين الثاني عشر والثالث عشر أصبحت العربية اللغة العامة لغالبية المصريين، مسلمين ومسيحيين.
ومن أبرز الأدلة أن كثيرًا من المؤلفين الأقباط بدأوا منذ القرنين العاشر والحادي عشر يكتبون مؤلفاتهم الدينية بالعربية، لأن قطاعات متزايدة من المسيحيين المصريين لم تعد تفهم القبطية بالدرجة الكافية. وتشير الدراسات إلى أن الانتقال من القبطية إلى العربية كان أطول وأبطأ في مصر منه في بعض مناطق المشرق العربي. دراسة صموئيل روبنسون عن الانتقال من القبطية إلى العربية
استمرار القبطية
لم تختفِ القبطية فجأة بعد غلبة العربية. فقد استمرت لغة منطوقة في بعض المناطق، ولا سيما في الصعيد، إلى عصور متأخرة، وبقيت لغة للطقوس والشعائر في الكنيسة القبطية حتى اليوم.
ولهذا فالأدق أن نقول إن القبطية تراجعت تدريجيًا من لغة الحياة اليومية إلى لغة كنسية وطقسية، بينما أصبحت العربية لغة المصريين العامة.
العربية المصرية
لم يتلقَّ المصريون العربية بصورة جامدة، بل أعادوا تشكيلها داخل بيئتهم. فنشأت العربية المصرية نتيجة التفاعل بين العربية الفصحى واللهجات العربية الوافدة والقبطية والتراث اللغوي المحلي، ثم دخلتها لاحقًا مؤثرات تركية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية.
وتظهر البصمة القبطية في بعض المفردات، وأسماء القرى والمدن، والتراكيب، وطرائق النطق والتعبير. وهكذا كانت العملية تبادلًا لغويًا وثقافيًا، لا مجرد اختفاء لغة وظهور أخرى.
انتشار العربية في مصر مر بثلاث مراحل رئيسية:
| الوضع اللغوي | المرحلة |
|---|---|
| العربية لغة الحكم والجيش، والقبطية لغة معظم السكان | القرن السابع |
| توسع العربية في الإدارة والمدن والتجارة مع استمرار الثنائية اللغوية | القرنان الثامن–العاشر |
| غلبة العربية تدريجيًا لغةً للحياة العامة لدى المسلمين والمسيحيين | القرنان العاشر–الثالث عشر |
| العربية لغة المجتمع كله، والقبطية لغة كنسية وطقسية | العصور اللاحقة |
إذن، لم يصبح المصريون عربًا في اللسان بسبب تبدل سكاني شامل، وإنما لأن المصريين أنفسهم انتقلوا تدريجيًا إلى استعمال العربية، ثم أسهموا بقوة في تطويرها وإنتاج ثقافتها. وقد احتفظوا في الوقت نفسه بخصوصيتهم التاريخية، فصارت العربية في مصر لغة مصرية الروح والتكوين.




