جهود أثريّي مصر في المحافظة على تراثها “من صرخة الوعي إلى معركة التمكين”
(أشهر لصوص الآثار المصرية ٣٤)
بقلم/ د.قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين
جهود أثريّي لم تكن حماية الآثار المصرية يومًا مسألة تقنية أو إدارية فحسب، بل كانت –ولا تزال– معركة وعي وسيادة ومعرفة. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، وجد أبناء مصر أنفسهم غرباء عن تراث أجدادهم، لا لغياب الحضارة، بل لانقطاع الصلة بها، وهي فجوة استغلها الأجانب، فدخلوا المعابد والمقابر، فكشفوا أسرارها بعد فك رموز الهيروغليفية، لكنهم في الوقت ذاته استأثروا بالمكاسب، وتحكموا في المعرفة، وجعلوا المصريين متفرجين على كنز يملكونه ولا يديرونه.
كانت صرخة الشيخ رفاعة الطهطاوي واحدة من أوائل نداءات التنبيه إلى خطورة هذا المسار، حين دعا إلى إعادة وصل المصريين بتراثهم، ليس باعتباره أطلالًا للفرجة، بل مصدرًا للهوية والمعرفة. ومع منتصف القرن التاسع عشر، بدأ عدد من أبناء مصر يشقون طريقهم في عالم الآثار، رغم القيود الاستعمارية التي حصرت هذا المجال في أيدي الأجانب، وحاولت إقصاء المصريين عمدًا عن مراكز القرار والتخصص.

أحمد كمال باشا… الرائد الذي مهّد الطريق
يعد أحمد كمال باشا (1851–1923م) حجر الأساس في نشوء المدرسة المصرية لعلم المصريات. فقد كان أول عالم آثار عربي بالمفهوم العلمي الحديث منذ الفتح الإسلامي، وأول مصري يتقن اللغة المصرية القديمة إلى جانب القبطية والحبشية واللغات السامية، فضلًا عن إجادته الفرنسية والألمانية والإنجليزية. تخرج في مدرسة الدراسات الأثرية التي أنشأها هنري بروكش بالقاهرة، لكنه اصطدم بعد تخرجه بحقيقة مرة: مصلحة الآثار كانت مغلقة عمليًا أمام المصريين.

اضطر أحمد كمال إلى العمل في وزارات مدنية بعيدًا عن شغفه، قبل أن ينجح –بالحيلة والصبر– في الالتحاق بمصلحة الآثار، ثم المتحف المصري، حيث أصبح أول مصري يتولى منصب أمين مساعد. وأسهم بدور محوري في تنظيم ونقل مقتنيات المتحف خلال انتقالاته الكبرى، سواء من بولاق إلى الجيزة، أو إلى مقره الحالي بوسط القاهرة.
لم تقتصر مساهمات أحمد كمال على العمل الإداري والمتحفي، بل امتدت إلى الحفائر العلمية، خاصة في عين شمس ومصر الوسطى، وإلى التأليف، حيث خلّف ما يقرب من خمسة عشر مؤلفًا علميًا وأكثر من ستين مقالًا، كان أبرزها معجم اللغة المصرية القديمة في 22 مجلدًا، وهو عمل موسوعي غير مسبوق، لم يُقدَّر حق تقديره إلا بعد طباعته لاحقًا.
ورغم ضعف الوعي الأثري في المجتمع آنذاك، جاهد أحمد كمال لإنشاء قسم لتدريس الآثار للمصريين، ونجح عام 1910م في تأسيس قسم مسائي بمدرسة المعلمين الخديوية، خرجت أول دفعة حقيقية من علماء المصريات المصريين، وكان من أبرزهم سليم حسن.
سليم حسن… من التهميش إلى العمادة العلمية
يمثل الدكتور سليم حسن (1893–1961م) ذروة نضج المدرسة المصرية لعلم الآثار. وُلد في قرية ميت ناجي بالدقهلية، ونشأ في ظروف اجتماعية صعبة، لكن نبوغه الدراسي أهّله للالتحاق بمدرسة المعلمين العليا، ثم قسم الآثار الملحق بها، حيث تتلمذ على يد أحمد كمال باشا.

ورغم تفوقه، عانى سليم حسن –كغيره من أبناء جيله– من سياسة الإقصاء المتعمد، فعُيِّن مدرسًا للتاريخ والتنقل بين المدارس، بينما ظل حلم العمل في المتحف المصري بعيد المنال. ولم يتحقق إلا عام 1921م، بعد ثورة 1919 واستقلال مصر النسبي، حين عُيّن أمينًا مساعدًا بالمتحف، لكن حتى هذا المنصب كان شكليًا، إذ تم تهميشه وإبعاده عن العمل الميداني الحقيقي.
شكلت رحلاته العلمية إلى أوروبا، وخاصة زيارته لمتاحف فيينا وبرلين وباريس، نقطة تحول مفصلية. فقد دوّن سليم حسن في مقالاته الشهيرة بالأهرام شهادات صادمة عن حجم الآثار المصرية المنزوحة، وكشف بجرأة طرق الاستحواذ عليها، سواء عبر الاستغلال السياسي، أو التواطؤ القنصلي، أو قوانين القسمة الجائرة أثناء الحفائر. وكانت رؤيته لرأس نفرتيتي في برلين لحظة رمزية جسدت مأساة التراث المنفي.
التمكين العلمي والحفائر المصرية الخالصة
في منتصف العشرينيات، أتاحت بعثة علمية إلى فرنسا لسليم حسن فرصة التكوين الأكاديمي العميق، فحصل على دبلومات متخصصة من السوربون واللوفر، ثم الدكتوراه من جامعة فيينا. وبعد عودته، بدأ صفحة جديدة في تاريخ الآثار المصرية، حين أشرف على أول حفائر علمية منظمة بأيدٍ مصرية في منطقة أهرامات الجيزة، لحساب جامعة القاهرة.
أسفرت أعماله بين الجيزة وسقارة عن اكتشاف قرابة مائتي مقبرة، من أبرزها مقبرة الملكة خنت كاوس ومقابر أبناء خفرع، فضلًا عن مئات القطع الأثرية الفريدة. ولم يكن الإنجاز علميًا فقط، بل رمزيًا أيضًا: لأول مرة، يقود مصري عملية تنقيب كبرى بمعايير علمية حديثة.
موسوعة «مصر القديمة»… معركة القلم الأخيرة
تُوِّج مشوار سليم حسن العلمي بموسوعته الخالدة «مصر القديمة»، التي تعد أضخم عمل موسوعي عربي عن الحضارة المصرية، وتجاوزت أربعين مجلدًا. لم تكن الموسوعة مجرد سرد تاريخي، بل مشروعًا ثقافيًا وطنيًا لإعادة كتابة تاريخ مصر بعيون أبنائها، وبمنهج علمي يضاهي –ويفوق أحيانًا– ما كتبه المستشرقون.
ورغم انتخابه عضوًا في أكاديمية العلوم بنيويورك عام 1960م، وهو أول عربي يحظى بهذا الشرف، عاش سليم حسن مرارة الإقصاء حتى سنواته الأخيرة، وهو ما عبّر عنه بصدق في إهداءات كتبه، التي كشفت أن الإقصاء الوظيفي كان –مفارقة– سببًا في تفريغه للإنتاج العلمي.
جهود أثريّي مصر
إن تاريخ جهود أثريّي مصر في حماية تراثها هو تاريخ صراع طويل بين المعرفة والهيمنة، بين الوطن والاحتكار الأجنبي. بدأ الرعيل الأول مع أحمد كمال باشا الذي فتح الباب، إلى سليم حسن وصحبه الذين وسّعوا وعبّدوا الطريق لألاف من أبناء مصر ليقودوا العمل الأثري، حيث يتجسد درس بالغ الأهمية: حماية الآثار لا تبدأ من الحجر، بل من الإنسان الواعي بقيمة ما يملك. وحين يمتلك الوطن علمه، يستعيد تاريخه، لا بوصفه ماضيًا ساكنًا، بل قوةً حيةً للهوية والسيادة.




