
كتب: د. عبد الرحيم ريحان
تنفرد حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان بنشر فكرة الدكتورة عصمت خميس السيد مسئول إدارة التقنيات الحديثة والتطور التكنولوجي بقطاع المتاحف المعنونة ” «لِتَعَارَفُوا» – نحو منصة تفاعلية للهوية الإنسانية المستدامة” والتى عرضتها ضمن فعاليات ملتقى علمى دولى تحت شعار ” المتاحف توحد عالمًا منقسمًا” احتفالًا باليوم العالمى للمتاحف أمس بالمتحف المصرى الكبير.
تطرح الدكتورة عصمت خميس السيد تساؤلًا: في زمن أصبح فيه العالم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، فهل نجح هذا الاتصال فعلًا في خلق فهم إنساني أعمق بين البشر؟
وتجيب بأن التكنولوجيا استطاعت أن تختصر المسافات وأن تجعل الإنسان قادرًا على التواصل مع الآخر في أي مكان بالعالم خلال لحظات، لكن هذا التطور الهائل لم يمنع تصاعد الانقسامات الثقافية والاجتماعية، ولم ينجح دائمًا في تقليل مشاعر الخوف أو سوء الفهم أو الاستقطاب بين المجتمعات.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى إعادة التفكير في دور المؤسسات الثقافية وعلى رأسها المتاحف، ليس فقط باعتبارها أماكن لحفظ التراث وعرضه بل باعتبارها مساحات إنسانية قادرة على إعادة بناء الحوار والتفاهم بين البشر.
وانطلقت فكرة الدكتورة عصمت خميس السيد من رؤية تعتبر أن المتحف لم يعد مجرد مساحة لعرض القطع الأثرية بوصفها معلومات تاريخية جامدة، بل أصبح قادرًا على تقديم التراث كتجربة إنسانية حية تساعد الإنسان على رؤية نفسه داخل الثقافات الأخرى واكتشاف ما يجمع البشر رغم اختلاف الحضارات والأزمنة.
وتتوافق هذه الرؤية مع شعار اليوم العالمي للمتاحف هذا العام «المتاحف توحّد عالمًا منقسمًا»، ففكرة التوحيد هنا لا تعني إلغاء الاختلافات بين البشر، بل تعني خلق مساحة تسمح بفهم هذا الاختلاف واحترامه وإدراك أن الإنسان داخل الحضارات المختلفة يحمل الكثير من المشاعر والتجارب المشتركة ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة: «لِتَعَارَفُوا» بوصفها تصورًا لمنصة رقمية تفاعلية داخل المتحف تهدف إلى تحويل الزائر من متلقٍ سلبي للمعلومات إلى مشارك فعلي في إنتاج المعنى والتفاعل الإنساني.
فبدلًا من الاكتفاء بقراءة بطاقة تعريفية بجوار القطعة الأثرية، تسمح المنصة للزائر بأن يعبّر عن مشاعره وتأملاته الشخصية تجاه القطعة من خلال وسائل بسيطة ومتنوعة، مثل: الرموز البصرية والتفاعل باللمس والتسجيل الصوتي واختيار كلمات أو مشاعر تعبّر عن التجربة الإنسانية التي شعر بها أثناء المشاهدة.
كما تتيح المنصة للزوار الاطلاع على مشاعر وتجارب أشخاص آخرين من ثقافات وخلفيات مختلفة أمام نفس القطعة الأثرية، مما يحول المتحف إلى مساحة للتعارف الإنساني وتبادل الخبرات الشعورية وليس فقط لتلقي المعلومات التاريخية.
وتنوه الدكتورة عصمت خميس السيد إلى أن المبادرة تقوم على فكرة أساسية مفادها أن التراث لا يربط البشر فقط عبر التاريخ بل يمكنه أيضًا أن يربطهم إنسانيًا في الحاضر، من خلال عدد من النماذج الإنسانية المشتركة بين الحضارات المختلفة مثل: الأمومة ولعب الأطفال والخبز والحياة اليومية بوصفها تجارب إنسانية تتكرر عبر الزمن والثقافات.
فعندما يرى الزائر نماذج للأمومة في حضارات متعددة أو يشاهد ألعاب الأطفال القديمة أو مشاهد إعداد الطعام والعمل والأسرة يبدأ في إدراك أن الإنسان القديم لم يكن مختلفًا عنه تمامًا بل عاش نفس المشاعر والتفاصيل اليومية التي ما زالت تشكل حياة البشر حتى اليوم.
وهنا يتحول المتحف من مساحة لعرض الاختلافات الحضارية فقط إلى مساحة تكشف أيضًا التشابه الإنساني العميق بين البشر.
وتتيح المبادرة عبر التجربة التفاعلية الشاملة الوصول إلى الفئات البسيطة أو المهمشة وألا تقتصر على الجمهور المعتاد على التكنولوجيا أو الخطاب الأكاديمي، ولهذا اعتمد تصور المنصة على أدوات تفاعل بسيطة تسمح بمشاركة أوسع، مثل الصور والألوان والصوت والتفاعل الحسي المباشر بحيث يصبح التعبير متاحًا حتى لمن لا يجيد القراءة أو الكتابة أو استخدام التقنيات المعقدة.
وتوضح الدكتورة عصمت خميس السيد أن الهدف الأساسي للمبادرة ليس إنتاج منصة رقمية متطورة فقط، بل خلق مساحة يشعر فيها كل زائر أن له صوتًا وتجربة تستحق أن تُرى وتُسمع داخل المتحف وقراءة دور المتحف في ضوء أهداف التنمية المستدامة خاصة الحد من الفجوات المعرفية والثقافية وتعزيز الحوار والتفاهم الإنساني وبناء شراكات ثقافية ومعرفية عابرة للحدود.
فالمتاحف التفاعلية يمكن أن تسهم في تحقيق الاستدامة ليس فقط من خلال حفظ القطع الأثرية بل من خلال الحفاظ على المعنى الإنساني للتراث وضمان استمراره كوسيط حي يعيد وصل الإنسان بالإنسان.
وفي هذا السياق يمثل المتحف المصري الكبير نموذجًا مهمًا يمكن من خلاله تطبيق مثل هذه المبادرات، لما يمتلكه من بنية رقمية متطورة ورؤية معاصرة لدور المتحف في المجتمع.
وتصل المبادرة إلى نتيجة بأن التراث ليس مجرد ماضٍ بعيد يُعرض خلف الزجاج وأن التكنولوجيا ليست هدفًا مستقلًا في حد ذاتها، بل إن كليهما يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة اكتشاف إنسانيتنا المشتركة.
فربما لا تكمن قوة المتحف الحقيقية في قدرته على عرض الماضي فقط بل في قدرته على جعل الإنسان يرى نفسه داخل هذا الماضي… ويرى الآخر بصورة أكثر فهمًا وإنسانية.




