
بقلم: د. قاسم زكي، عضو اتحاد كتاب مصر، واتحاد الآثاريين المصريين
أثار الدكتور وسيم السيسي نقاشًا واسعًا بتأكيده أن «المصريين مصريون وليسوا عربًا»، وأن تحدثهم باللغة العربية لا يكفي لاعتبارهم عربًا. واستند في رأيه إلى أن الهوية المصرية ضاربة بجذورها في أرض وادي النيل قبل دخول العرب بآلاف السنين، وأن المصري عندما يسافر إلى إحدى الدول العربية يدخلها بوصفه أجنبيًا، كما أشار إلى أن حكم اليونانيين والرومان لم يحوّل المصريين إلى يونانيين أو رومان.
ولا شك في أن الدكتور وسيم السيسي ينطلق من حرص صادق على إحياء الاعتزاز بالحضارة المصرية القديمة، ومقاومة التصورات التي توحي بأن تاريخ مصر بدأ مع دخول العرب في القرن السابع الميلادي. وهذا مقصد نتفق معه تمامًا؛ فمصر لم تبدأ عام 641م، والمصريون المعاصرون ليسوا جماعة سكانية وافدة ظهرت فجأة بعد الفتح العربي، بل هم امتداد تاريخي وسكاني لشعب عاش حول النيل، وتفاعل عبر آلاف السنين مع موجات متعددة من الهجرة والتجارة والغزو والتزاوج.
لكن صحة التأكيد على أصالة الهوية المصرية لا تقود بالضرورة إلى صحة نفي العروبة عن المصريين؛ لأن السؤال نفسه يحتاج إلى تحديد المقصود بكلمة «عرب». فهل نتحدث عن النسب البيولوجي، أم اللغة والثقافة، أم الجنسية، أم الانتماء الحضاري والسياسي؟ الخلط بين هذه المستويات هو الذي يحوّل قضية الهوية إلى معركة لا لزوم لها.
العروبة ليست فصيلة جينية
لا يوجد في علم الوراثة شيء اسمه «الجين العربي» أو «الجين المصري» بالمعنى الذي يسمح بفصل الشعوب إلى صناديق نقية ومغلقة. جميع الجماعات البشرية نتاج تاريخ طويل من الاستمرارية والاختلاط والهجرة. وقد كان موقع مصر بين أفريقيا وبلاد الشام والبحر المتوسط والبحر الأحمر سببًا في أن تكون ملتقى سكانيًا وحضاريًا منذ عصور ما قبل التاريخ.
تؤكد دراسة جينومات مومياوات أبو صير الملق، المنشورة في دورية Nature Communications عام 2017، وجود صلات وراثية قديمة بين سكان مصر وشعوب شمال أفريقيا والشرق الأدنى، كما رصدت تغيرات لاحقة في بعض مكونات السكان المصريين. لكنها لم تقل إن هناك عرقًا مصريًا نقيًا ظل مغلقًا آلاف السنين، ولم تقدم أساسًا علميًا لنفي أي انتماء ثقافي حديث عن المصريين.
كذلك كشفت دراسة جينوم فرد النويرات، المنشورة في Nature عام 2025، أن هذا المصري الذي عاش في بدايات الدولة القديمة كانت غالبية أسلافه مرتبطة بمصر وشمال أفريقيا، مع مكوّن من منطقة الهلال الخصيب. وهذه النتيجة مهمة؛ لأنها توضح أن التواصل السكاني بين مصر ومحيطها الشرقي كان قائمًا قبل الفتح العربي بآلاف السنين. ومع ذلك، حذّر الباحثون من تعميم نتائج فرد واحد على جميع سكان مصر القديمة. فالجينوم يخبرنا عن القرابة السكانية، لكنه لا يستطيع أن يقرر هل كان صاحبه مصريًا أو عربيًا بالمعنى الثقافي والسياسي الحديث.
ومن ثم، لا يمكن استخدام الوراثة لإثبات أن المصريين عرب، كما لا يجوز استخدامها لنفي عروبتهم. الهوية الثقافية لا تُقرأ من شريط الحمض النووي.
المصريون لم يُستبدلوا بسكان جدد
الأقرب إلى الأدلة التاريخية والسكانية أن دخول العرب إلى مصر لم يؤدِّ إلى إحلال شعب جديد محل المصريين. ظل معظم السكان في قراهم ومدنهم، واستمرت الزراعة والحرف والبنية الاجتماعية، ثم حدثت عملية طويلة من التحول اللغوي والثقافي والديني، امتدت قرونًا ولم تقع في 180 عامًا فقط.
ولهذا فإن القول إن «العرب لم يحكموا مصر إلا 180 سنة» لا يحسم القضية؛ فمدة حكم سلالة سياسية ليست هي مدة تأثير اللغة والثقافة. انتهى الحكم العربي المباشر بمعناه الضيق، لكن العربية لم تختفِ بعد ذلك، بل ازدادت انتشارًا في عصور الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين. وأصبحت تدريجيًا لغة الإدارة والعلم والأدب والمعاملات والحياة اليومية، حتى صاغها المصريون بطريقتهم وولد منها اللسان المصري الحديث.
إن المصريين لم يتخلوا عن شخصيتهم عندما تحدثوا العربية، بل أعادوا تشكيل العربية داخل البيئة المصرية. فالعربية المصرية تحمل مفردات وتراكيب وتأثيرات تعود إلى اللغة القبطية وإلى مراحل تاريخية متعددة. وهكذا لم يصبح المصري نسخة من سكان الجزيرة العربية، كما لم تبقَ مصر منعزلة عن المجال العربي الذي أسهمت بقوة في تشكيله.
هل دخول المصري من بوابة الأجانب ينفي عروبته؟
الاستدلال بأن المصري يدخل السعودية من بوابة الأجانب يخلط بين الجنسية والهوية الحضارية. فالمصري أجنبي من الناحية القانونية في السعودية لأنه لا يحمل جنسيتها، مثلما يكون السعودي أجنبيًا في مصر ويحتاج إلى وثائق وإجراءات إقامة وعمل. لكن ذلك لا ينفي انتماءهما إلى فضاء لغوي وثقافي مشترك.
والفرنسي يدخل ألمانيا بصفته مواطنًا فرنسيًا، ومع ذلك فهو أوروبي. كما أن المغربي أجنبي من الناحية القانونية في العراق، لكن الاثنين ينتميان إلى العالم العربي. فالجنسية تحدد العلاقة القانونية بين الفرد والدولة، بينما تحدد الهوية الحضارية دوائر أوسع من اللغة والثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة.
لا تعني العروبة أن المصري سعودي أو عراقي أو يمني، ولا تعني إلغاء الحدود الوطنية. المصري مصري الجنسية والانتماء الوطني، وعربي الثقافة واللغة والمجال الحضاري، وأفريقي بحكم الجغرافيا والتاريخ، ومتوسطي بحكم الموقع والتفاعل، وإنساني بحكم انتمائه الأوسع. ولا تضطره واحدة من هذه الدوائر إلى إلغاء الأخرى.
لماذا لم يصبح المصريون يونانيين أو رومانًا؟
صحيح أن اليونانيين والرومان حكموا مصر قرونًا، ولم يتحول المصريون جميعًا إلى يونانيين أو رومان. لكن المقارنة تحتاج إلى استكمال؛ فاللغة اليونانية ظلت في جانب كبير منها لغة الإدارة والنخب والمدن، بينما احتفظت غالبية السكان بلغتها المصرية في مراحلها المختلفة، حتى تطورت إلى القبطية.
أما العربية فقد انتقلت، بمرور الزمن، من لغة السلطة وبعض الوافدين إلى لغة أغلبية المصريين في البيت والسوق والتعليم والأدب والعبادة والإدارة. ولم تبقَ لغة طبقة حاكمة محدودة، بل أصبحت اللغة الأم للمصريين، وصاروا من كبار منتجي ثقافتها.
لقد أصبحت القاهرة في عصور طويلة أحد أهم مراكز اللغة العربية وآدابها وعلومها. وأسهم الأزهر والجامعات والصحافة والكتاب والمسرح والسينما والإذاعة المصرية في صياغة الوعي العربي الحديث. فهل يُعقل أن نصف مصر بأنها من أكبر صانعي الثقافة العربية، ثم ننفي عنها كل انتماء عربي؟
الهوية المصرية لا تحتاج إلى خصم
تكمن المشكلة في تقديم الهوية المصرية والعروبة كأنهما خصمان: إما أن نكون مصريين، وإما أن نكون عربًا. بينما التاريخ يقول إن الهوية طبقات متراكمة، وليست ورقة يُمحى ما عليها كلما أضيف إليها سطر جديد.
لقد استوعبت مصر تراثها القديم والقبطي والإسلامي والعربي والأفريقي والمتوسطي، وصهرت هذه العناصر في شخصية مميزة. والعروبة المصرية ليست إنكارًا لمصر القديمة، مثلما أن المسيحية المصرية لم تمحُ جذور المصريين القديمة، ودخول الإسلام لم يحوّل السكان إلى جماعة بيولوجية جديدة.
وقد عبّر الدستور المصري عن هذا التركيب بدقة، فنص في مادته الأولى على أن الشعب المصري «جزء من الأمة العربية»، وأن مصر جزء من العالم الإسلامي وتنتمي إلى القارة الأفريقية وتعتز بامتدادها الآسيوي وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية. لم يرَ الدستور تناقضًا بين مصرية مصر وعروبتها وأفريقيتها؛ لأن هذه الانتماءات متكاملة لا متناحرة.
نحن مصريون وعرب
من حق الدكتور وسيم السيسي، ومن حق كل مصري، أن يعتز بالحضارة المصرية التي سبقت الحضارات اليونانية والرومانية والعربية الإسلامية. ومن واجبنا رفض أي رواية تلغي استمرارية الشعب المصري أو تجعل تاريخ البلاد مجرد ملحق بتاريخ شعب آخر.
لكن حماية الهوية المصرية لا تستلزم بتر خمسة عشر قرنًا من تاريخ مصر، ولا إنكار حقيقة أن العربية أصبحت لغة المصريين وأنهم شاركوا في بناء الحضارة العربية الإسلامية، ثم قادوا جانبًا كبيرًا من النهضة العربية الحديثة.
الأدق، إذن، ألا نقول: «نحن عرب ولسنا مصريين»، ولا: «نحن مصريون ولسنا عربًا»، بل نقول: نحن مصريون أولًا من حيث الوطن والشخصية التاريخية، وعرب من حيث اللغة والثقافة والانتماء الحضاري، وأفارقة من حيث الجغرافيا والامتداد البشري، ومتوسطيون بحكم الموقع والتفاعل.
قوة مصر لم تكن يومًا في نقاء متخيّل أو عزلة مستحيلة، بل في قدرتها على الاحتفاظ بجذورها، واستيعاب ما يفد إليها، ثم إعادة صياغته بروح مصرية. ولذلك فإن الاعتزاز بالعروبة لا ينتقص من فرعونية مصر، والاعتزاز بمصر القديمة لا يقتضي التنكر للغة العربية أو المجال العربي.
المصريون ليسوا عربًا بمعنى أنهم أحفاد حصريون لقبائل الجزيرة العربية، وهذه نقطة يمكن الاتفاق فيها مع الدكتور وسيم السيسي. لكنهم عرب بالمعنى اللغوي والثقافي والحضاري الحديث، مثل معظم شعوب المنطقة التي احتفظت بجذورها المحلية ودخلت، في الوقت نفسه، فضاءً عربيًا مشتركًا.
والهوية التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى حذف جزء من تاريخها حتى تثبت أصالتها.




