
بقلم: الأستاذ الدكتور إبراهيم درويش
سُئلت في أحد اللقاءات الإذاعية مؤخرًا عن موضوع لم أكن قد توقفت أمامه كثيرًا من قبل، وهو «المسح الإتلافي للكتب»، وما يمكن أن يترتب عليه من مخاطر على التراث والثقافة والذاكرة الإنسانية.
وبعد اللقاء، دفعني السؤال إلى البحث والقراءة في هذا الموضوع، فاكتشفت أننا أمام قضية تستحق أن نتوقف عندها، ليس لأننا ضد الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحديثة، وإنما لأن كل تقدم علمي يحتاج إلى ضوابط أخلاقية وإنسانية تحمي الإنسان وتراثه.
ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال، حتى تعم الفائدة، وحتى نعرف ما هو الذكاء الاصطناعي، وما الذي قدمه للبشرية، وما المخاطر التي يمكن أن تنتج عن بعض استخداماته، وما المقصود بالمسح الإتلافي، ولماذا يمثل خطرًا حقيقيًا على الكتب النادرة والتراث العربي والإنساني.
الذكاء الاصطناعي.. ثورة علمية لا يمكن تجاهلها
————————————
أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أهم التحولات العلمية في عصرنا. وببساطة يمكن تعريفه بأنه مجموعة من التقنيات والبرامج التي تمكن الحاسوب من أداء بعض المهام التي تحتاج عادة إلى قدرات بشرية، مثل التعلم، وتحليل المعلومات، وفهم اللغة، والتعرف على الصور، والتنبؤ، والمساعدة في اتخاذ القرار.
وقد دخل الذكاء الاصطناعي تقريبًا في كل المجالات.
————————————
في الطب يساعد الأطباء في تحليل الأشعة واكتشاف بعض الأمراض مبكرًا، وفي التعليم يمكن أن يقدم محتوى يتناسب مع مستوى كل طالب، وفي الزراعة يساعد في متابعة المحاصيل والتنبؤ بالآفات وترشيد استخدام المياه والأسمدة.
كما أصبح أداة مهمة في البحث العلمي، وتحليل البيانات، والصناعة، والتجارة، والنقل، وإدارة الموارد.
ولذلك فإن الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي لا يعني رفضه، وإنما يعني أننا نريد ذكاءً اصطناعيًا يخدم الإنسان ولا يهدد قيمه وتراثه.
لماذا تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الكتب؟
————————————
تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي، وخاصة النماذج اللغوية الكبيرة، إلى كميات ضخمة من البيانات حتى تتعلم اللغة والمعلومات وأنماط التعبير.
والكتب تمثل مصدرًا مهمًا لهذه البيانات، لأنها تحتوي على لغة بشرية أنتجها الإنسان عبر أجيال طويلة.
وهنا تظهر مشكلة جديدة.
فالإنترنت أصبح يمتلئ يومًا بعد يوم بالمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها، من مقالات ونصوص وصور وغيرها.
وقد أظهرت دراسات علمية أن الاعتماد المتكرر على بيانات مولدة آليًا يمكن أن يؤدي إلى تراجع جودة النماذج بمرور الوقت، فيما يعرف بظاهرة «انهيار النموذج» Model Collapse.
ومن هنا أصبحت البيانات البشرية الأصلية ذات قيمة كبيرة، وأصبحت الكتب القديمة والمطبوعة مصدرًا مهمًا للغة والمعرفة التي أنتجها الإنسان قبل الانتشار الواسع للمحتوى المولد آليًا.
فما هو المسح الإتلافي؟
————————————
المسح الإتلافي هو طريقة لرقمنة الكتب تقوم على تفكيك الكتاب أو قطع كعبه وفصل صفحاته، ثم تمرير الصفحات المنفصلة في أجهزة مسح ضوئي سريعة، للحصول على نسخة رقمية في وقت قصير.
وقد يكون هذا الأسلوب مناسبًا في بعض الحالات للكتب العادية التي توجد منها أعداد كبيرة ولا تحمل قيمة مادية أو تاريخية خاصة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يستخدم الأسلوب نفسه مع الكتب القديمة والنادرة.
فالكتاب الذي قد يكون عمره عشرات أو مئات السنين لا يمثل مجرد مجموعة من الصفحات.
إنه وثيقة تاريخية.
الكتاب القديم ليس مجرد كلمات
————————————
عندما نمسك كتابًا قديمًا، فإننا لا نمسك النص وحده.
نحن نمسك نوع الورق الذي استخدمه صانعوه، ونوع الحبر، وطريقة الطباعة، والتجليد، والختم، وتوقيعات أصحاب الكتاب، وأحيانًا الملاحظات التي كتبها القراء والعلماء على هوامشه.
وقد تكون هذه التفاصيل مصدرًا مهمًا للباحثين في التاريخ والثقافة وتطور العلوم.
فنسخة الكتاب التي قرأها عالم كبير وكتب عليها ملاحظاته ليست مساوية تمامًا لنسخة رقمية من النص نفسه.
الصورة الرقمية تحفظ الكلمات بدرجة كبيرة، لكنها لا تعوض دائمًا الأصل بكل تفاصيله المادية والتاريخية.
ولهذا فإن رقمنة الكتاب شيء، وتدمير الكتاب بعد رقمنته شيء آخر.
أين تكمن الخطورة؟
————————————
الخطورة ليست في رقمنة الكتب، بل على العكس؛ الرقمنة أصبحت وسيلة مهمة جدًا لحفظ التراث وإتاحته.
المشكلة هي أن تتحول الرقمنة من وسيلة للحماية إلى وسيلة للإتلاف.
فإذا كانت لدينا طبعة نادرة لا توجد منها إلا نسخ قليلة، ثم قمنا بتقطيعها من أجل الحصول على نسخة إلكترونية، فقد نكون قد حافظنا على محتوى الكتاب وفقدنا الأصل.
وهذا فرق مهم جدًا.فالملف الرقمي يمكن نسخه آلاف المرات، لكن النسخة الورقية الأصلية قد تكون فريدة ولا يمكن تعويضها.
والسؤال هنا:هل يجوز أن ندمر الأصل لمجرد أننا أصبحنا نمتلك نسخة إلكترونية منه؟
في الكتب العادية قد يكون الأمر محل نقاش، لكن في الكتب النادرة والوثائق التاريخية ينبغي أن تكون الإجابة أكثر حسمًا: الحفاظ على الأصل يجب أن يكون هو القاعدة.
التكنولوجيا تستطيع أن ترقمن دون تدمير
————————————
والأمر اللافت أن التطور التكنولوجي نفسه قدم لنا حلولًا أفضل.
فهناك ماسحات ضوئية متقدمة وروبوتات مخصصة لرقمنة الكتب دون الحاجة إلى تفكيكها، وتستخدم تقنيات دقيقة لقلب الصفحات وتصويرها مع تقليل الضغط على الكتاب.
وهذا يعني أن الإنسان لم يعد مضطرًا إلى الاختيار بين الحفاظ على الكتاب ورقمنته.
يمكنه أن يفعل الأمرين معًا.
وهنا يجب أن تكون القاعدة التي نحترمها جميعًا:«الكتاب النادر يُرقمن ولا يُقطع».
الخطر على التراث العربي أكبر
————————————
إذا كان الموضوع يمثل تحديًا عالميًا، فإنه بالنسبة إلينا في العالم العربي يمثل تحديًا أكبر.
فالحضارة العربية والإسلامية تمتلك تراثًا ضخمًا من المخطوطات والكتب والطبعات القديمة.
ولدينا مخطوطات في الفقه والطب والفلك والرياضيات والفلسفة والأدب والتاريخ، ولدينا طبعات مبكرة ونادرة من الكتب العربية، ومنها كتب ارتبطت بتاريخ الطباعة العربية ومؤسسات علمية وثقافية عريقة مثل مطبعة بولاق.
وقد تكون بعض هذه الكتب موجودة في نسخ محدودة للغاية.ولذلك فإن فقدان نسخة نادرة قد يعني فقدان جزء من الذاكرة الثقافية لا يمكن استعادته.
ولا ينبغي أن ننظر إلى الأمر باعتباره قضية كتب فقط.
إنه يتعلق بالهوية.فالإنسان الذي يفقد وثائقه وكتبه القديمة يفقد جزءًا من ذاكرته، والأمة التي تفقد مصادر تاريخها تفقد بعض قدرتها على فهم نفسها.
التراث ليس ملكًا لجيل واحد
————————————
من الأخطاء التي يجب أن نتجنبها النظر إلى التراث على أنه ملك للجيل الحالي وحده.
نحن ورثناه عن الأجيال السابقة، ونحن مسؤولون عن تسليمه إلى الأجيال القادمة.
ومن هنا فإن صاحب الكتاب النادر قد يكون مالكًا له من الناحية القانونية، لكن قيمة الكتاب الثقافية قد تتجاوز حدود الملكية الخاصة.
وهذا المبدأ معروف في التعامل مع كثير من عناصر التراث الثقافي، حيث تفرض الدول ضوابط خاصة على الآثار والمخطوطات والوثائق ذات القيمة الاستثنائية.
ومن المفيد أن يمتد هذا التفكير إلى عالم الكتب النادرة.
كيف نحمي تراثنا؟
————————————
الحماية لا تعني منع.. التكنولوجيا أو وقف الرقمنة، وإنما تعني تنظيمها.
وأرى أن هناك مجموعة من الخطوات المهمة:
أولًا: إنشاء سجلات وطنية للكتب والمخطوطات والطبعات النادرة، بحيث نعرف ما لدينا وأين يوجد وما درجة أهميته.
ثانيًا: تصنيف الكتب التي تحمل قيمة تاريخية أو علمية استثنائية باعتبارها مواد تراثية لا يجوز إتلافها أو تفكيكها لمجرد الرقمنة.
ثالثًا: الاعتماد على تقنيات المسح غير الإتلافي في المكتبات الوطنية والجامعات ومراكز التراث.
رابعًا: إنشاء قواعد بيانات رقمية عربية موحدة للكتب والمخطوطات النادرة، بحيث تصبح النسخة الرقمية متاحة للباحثين دون الحاجة إلى تداول الأصل أو تعريضه للخطر.
خامسًا: توثيق مصدر البيانات المستخدمة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومعرفة من أين جاءت الكتب والوثائق وكيف جرى الحصول عليها.
سادسًا: وضع ضوابط للتعامل التجاري مع الكميات الكبيرة من الكتب النادرة، خاصة عندما تكون الجهة النهائية التي ستستخدمها غير واضحة.
سابعًا: تحديث التشريعات بما يحقق التوازن بين الملكية الخاصة وحماية التراث العام.
ثامنًا: دعم المكتبات ودور الكتب ومراكز الوثائق حتى تتمكن من القيام بعمليات الحفظ والرقمنة بصورة علمية
————————————
لقد اعتدنا أن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي من زاوية الفوائد والمخاطر الاقتصادية والعلمية.
لكننا نحتاج أيضًا إلى الحديث عن الأخلاق الثقافية للذكاء الاصطناعي.
فليس كل ما نستطيع فعله علميًا يجب أن نفعله بلا ضوابط.
والتقدم الحقيقي ليس أن نصل إلى أسرع طريقة لمسح مليون كتاب، وإنما أن نصل إلى أسرع طريقة لحفظ مليون كتاب وإتاحتها للأجيال دون فقدان أصولها المهمة.
إن التقنية يجب أن تعمل في خدمة الذاكرة، لا أن تتحول إلى أداة لمحوها.
توصية عربية عاجلة
————————————
أرى أن العالم العربي في حاجة إلى مشروع كبير يمكن أن نطلق عليه:«المشروع العربي للرقمنة الآمنة للتراث»
تتعاون فيه المكتبات الوطنية والجامعات ومراكز المخطوطات ودور الوثائق، لحصر الكتب والمخطوطات النادرة، وتصنيفها، ورقمنتها باستخدام أحدث التقنيات غير الإتلافية، وإنشاء مستودع رقمي عربي آمن ومتاح للباحثين.
وسيكون هذا المشروع استثمارًا في العلم والهوية معًا.
فنحن لا نحمي أوراقًا قديمة، وإنما نحمي ذاكرة أمة، ونحمي جزءًا من ذاكرة الإنساني
————————————
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للإنسان.
بل ربما يكون واحدًا من أعظم الأدوات التي صنعها العقل البشري.
لكن علينا ألا ننسى أن هذا الذكاء يتغذى على المعرفة التي صنعها الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يصبح أكثر ذكاءً إذا فقدنا المصادر التي أنتجت المعرفة البشرية.
ومن هنا تأتي المفارقة:نحن نستخدم كتب الماضي لبناء ذكاء المستقبل، فلا ينبغي أن ندمر الماضي ونحن نصنع المستقبل.
فالكتاب القديم ليس ورقًا مهترئًا يمكن تعويضه بملف إلكتروني.
إنه شاهد على زمن، وذاكرة لإنسان، وأثر لأمة، وحلقة في سلسلة طويلة من المعرفة الإنسانية.
وقد تكون الصفحة التي لا نعطيها قيمة اليوم هي الوثيقة التي يبحث عنها أحد أبنائنا بعد مائة عام.
لذلك فإن رسالتي ليست ضد الذكاء الاصطناعي، وإنما هي دعوة إلى ذكاء اصطناعي أكثر إنسانية؛ ذكاء يحترم الإنسان، ويحترم العلم، ويحترم الثقافة، ويحترم حق الأجيال القادمة في أن تعرف ماضيها.
فلنرقمن كتبنا، ولنفتحها أمام العالم، ولنستخدم التكنولوجيا لحمايتها… ولكن لا نحول كتبنا النادرة إلى وقود للخوارزميات.
فالأمم التي تحفظ ذاكرتها تستطيع أن تبني مستقبلها، أما الأمة التي تفقد ذاكرتها، فقد تجد نفسها يومًا تبحث عن هويتها في ملفات رقمية لا تعرف من أين جاءت، ولا ماذا فقدت في الطريق.



