منوعاتسلايدر

القاهرة فى ظل الجحيم

يأتى الفجر مُرسِلًا حفنة من الرياح محمّلة بندى الصباح المتبخر؛ فرصة أن تصطدم بالهواء لا تدوم إلا ساعة؛ يحوط النعاس جفنيك فترضخ لسطوة الخمود، تنقضي الساعة وتفوتك فرصة اللحاق بالهواء ظنًا بك أن الجحيم بعيد، إلا أنك تصحو فتجد الكون ملتهبًا ثائر الحرارة كأن الأرض التقت بالشمس في لقاء عاصف كالحب يقع إثره ضحايا كثر.

وهذا هو فصل الصيف؛ تعلمنا قديمًا أنه فصل من الفصول، الإنتعاش والنشاط والراحة والأهم؛ لا عمل ولا مدرسة.

أما الآن وفي ظل الموجات الحارة المتتالية فلا نشاط ولا إنتعاش، فقط حرارة قاظعة.

أخشى الآن النزول فكل نزول يعني رؤية الناس حيرى وكأنهم في جذبة أفقدتهم عقولهم، ترى كل همّهم أن ينتهي الحر بأي شكل؛ تراهم مجانين يبحثون عن ظلٍ ما ولا شجرة هنالك إلا أعواد كالأغصان لا تُفيد فيحتمون بظلٍ أصم.

والحرّ توأم الجنون؛ لا ترى الناس حمقى إلا لحظة تشعر وكأنك تحمل كرة الشمس فوق رأسك وحدك، يتشاجر الناس ويسبّون وكلٌ على أهبة الإشتعال فالنار جاهزة فوق رؤوسهم.

ولا تدري أترأف بهم أم تتهمهم بالحيوانية وأنت أقرب للسباب فيهم منهم لضوضائهم وزعيق أبواق السيارات كأن الحرب ستقام إذا تعطل السير أكثر من ذلك.

الزهق وبعض من الحنين لجنة “المكيف” أو الموت، أرى أن الشمس تشجع على الموت وكأن الكل على أهبة ذلك إذا استسلموا للجنون تمامًا.

………………………..

القاهرة في الجحيم تختلف؛ ظلال حرّها تحوم حول مبانيها وتوحد الألوان والملامح؛ الكل بائسون تحت العاصفة الغبراء المرفه منهم والكادح، تشعر بالمباني تنصهر تريد أن تنقض، لا منفذ تشعر أنك في القاهرة وقعت في مصيدة وأن المصيبة مصيبتك وحدك.

الزحام شديد والمخالفات أشد؛ الناس تجري والسيارات تتسابق أيهما يصل أولًا إلى أو ينهي مشواره ويعود للمكيف أو المروحة ذات الصدأ؛ ولا قواعد والغش مباح ترى السيارات على طريق مخالف وترى عدم اهتمام ال “طيارين” يصعدون فوق الرصيف كي يختصروا المسافة بعجلاتهم “الموتوسيكل” أو يختارون أضيق المسافات بين السيارة والرصيف كس يسرعوا في إجتياز الملف.

القاهرة والشمس آيتان من عذاب؛ لا نرى حولنا إلا اسفلتًا كعصابة تلتصق بعينيك لحظة الإعدام، عبثًا تحاول أن تصرف عينك عن البؤس حولك؛ الناس عبوس وكلنا يتصبب بؤسًا مع العرق.

المواصلات؛ تشعر برائحة الصديد تعلو من حديدها ودخان محركاتها يوشك أن يحوطك؛ الناس مزدحمون يتسابقون للحافلة لنيل مقعد أو للوقوف كي لا ينتظروا وسيلة أخرى في ذاك الحر.

لن أحكى بإستفاضة عن أسى العرق والناس؛ ولن أهتف بشعارات النظافة؛ في الحر لا يهتم كلٌ إلا بنفسه والباقي فليذهبوا إلى عين الجحيم معه.

لا يدري أحدٌ عن معاناة الآخرين؛ يصرخ الناس بالنظافة رغبة في عدم استنشاقهم رائحة غير مرغوبة والحياة يا سادة للبعض منا رغمًا عنا مشاركة ولو بحيز المكان.

لديك رفاهية مزيل العرق، غيرك لا يملك إلا الصابون كي يستحم فالكهرباء يا عزيزى لا تكفي السخّان أو النور أو أي وسيلة للحياة.

لديك القدرة على تعطير نفسك، غيرك يحتم عليه الإستيقاظ صباحًا وتلقي الشمس والذهاب إلى عمله وتحمل مشاقه، لا أحد يحب أن يُنعت بالقذارة ولكن لا سبيل لنعمة تبديل الثياب كل يوم.

لا أدافع عن العرق أو اتهم الناس بالأنانية المطلقة؛ بل أحاول النظر بشيء من التفصيل.

المعاناة للكل فلا سبيل للتفرقة إلا بوسائل الحماية؛ أحيانًا أتخيل معاناة البعض منا؛ كل يوم تزداد الكهرباء غلوًا، لديك مكيف وغيرك لا يجد حتى السبيل لتشغيل مروحة سليمة أو شرائها، كل يوم تزداد الكهرباء اشتعالًا وتزداد وسائل الحماية مشقة.

وإذا لدى البعض منا قدرة على تكبد مشاق الكهرباء سيواجه صدمة في أسعار الأجهزة المكيفة؛ من ابتاع مكيفًا في الماضى يملك كنزًا وحظٌ أوفر للراغبين لاحقًا.

رغبت ذات صباح في تجنب المواصلات فطلبتُ رحلة ودعوت الله أن يكون سائقها رحيمًا ويترك مكيف السيارة عنده يعمل ولكن كما توقعت كان مطفأً ولم أجرؤ أن أطلب من السائق بعضًا من المكيف. أشعر بالسائق؛ يجوب الشوارع في كافة أنحاء القاهرة مع كافة أنواع الزبائن ومشاق الطريق ومشاق اللاهثين لإنهاء حياتهم أو يومهم كي يعودوا للبيت، والوقود يزداد غلوًا والمكيف وحش يفترس الوقود.

يخوض السائق طرقًا ضيقة في شوارع السيدة زينب كي نصل أسرع؛ أرنو للعمائر البائسة المنصهرة والناس الأكثر بؤسًا؛ الشباب مرهقة والرجال يتحملون للحلال، والنساء تجلس كالأرامل تنشد بعضًا من الهواء ولا هواء لضيق المكان، وأشعر أني ربما أصير إلى عين المصير الذي يكابدونه عاجلًا.

أتساءل عن رحمة الله أن خلقني في بيئة تحتمي من الجحيم، بيت وتعليم وكهرباء ووقود، لا أدري ربما عين اليد التي وضعتني هنا تضعني هناك مع الأشقياء؛ لا أملك سوى جزعٍ مقيم فربما أصير مثلهم إذا انتشرت أزمة اقتصادية -أخرى- أطاحت بي وبغيري.

كأن الشمس والصيف يتفقان مع الغلاء؛ كلما زاد الغلاء زاد بأسها.

………………………..

ولا أدعي النبل المطلق؛ تركت الحر يقودني مرات ولم أتحكم في كبحه؛

ذات صباح طلبت رحلة للذهاب إلى الجامعة وكانت الشمس فوق الإحتمال، جاءت سيارة أنهكتها الأعوام ورأيت شابًا أحرقته الشمس وسألتُه بيأس إذا كان هناك مكيف وقطعًا أجاب بإنتهاء عمره، ربما تأففتُ دون أن أشعر، أخبرنى الشاب بأسفه وأنه توًا خارجٌ من خدمة الجيش وأن تلك ستكون آخر رحلة يقوم بها، العجز في صوته وبي رغبة في تصديقه ولكن كان الحر والمال الذي سأدفعه ما أصدقه الحين، لمّا دفعت له أعطيته تقييمًا سيئًا مع تعليقٍ حاد وأسكتّ ضميري ونبرة عجزه في أذني.

………………………..

تلك هي القاهرة وأي شيء آخر ضربٌ من الإدعاء أو الوهم، أرنو للتلفاز فأجد إعلانًا لحفلات ومصايف في ساحل مصر الشمالي وحملة “يلا ساحل”

من نخدع نحن؟”

لا يصرخ أحد وندع ذلك الوهم يتبدى في الشاشات، تلك ليست مصر!

سر دون مكيف لدقائق في شوارع العتبة أو السيدة زينب وحدثنا بعدها عن مصر.

ما نشاهده لا يُمثل إلا طبقة محدودة من مصر -لا أدري كيف تمثلها كلها!- الشباب الفائر والبهجة المصطنعة الآلية والنجوم ترقص فوق المنصات كل ذلك لا يمثل أي طبقة معقولة هنا.

من لا يملك المال أو الشكل المناسب لدلوف شواطئ تلك السواحل لا يجد مفرًا إلا جحيم القاهرة.

يضحك الناس على مقاطع الناس وهم ينزلون البحر الأخضر اللون بملابسهم أو دونها، يسخرون من أفعالهم و لا يقفون لحظات للبكاء؛ لا يوجد وعي السلوكيات لديهم هم بشرٌ أرادوا الهروب من القيظ ولم يملكوا المال إلا للذهاب على ذلك الحال للمصايف ذات الحال نفسه.

لا يملكون مالًا لحضور مطاعم تصرخ بالمال واجهتها ولا للجلوس وسط أقمار تلمع وتبرق في أماكن مخصصة لهم فقط.

ويظل التلفاز يؤكد أن تلك الأقمار هي مصر!

زياد تامر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights