مقالاتسلايدر

متحف مانشستر يحترم كرامة السيدة المصرية ويعيدها إلى تابوتها… لكن قضية بقائها في بريطانيا لم تُحسم

اشهر لصوص الآثار المصرية ٤٦ 

 بقلم: الدكتور قاسم زكي،  عضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

بعد نحو مائتي عام قضتها مومياء السيدة المصرية القديمة «أسرو» معروضة أمام زوار متحف مانشستر البريطاني، قررت إدارة المتحف رفع جسدها المحنط من واجهة العرض وإعادته إلى تابوته، احترامًا لكرامتها ومعتقداتها الجنائزية. ويمثل القرار تحولًا مهمًا في تعامل المتاحف الغربية مع الرفات البشرية، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالًا أكبر: إذا كان المتحف قد أدرك أن «أسرو» إنسانة وليست قطعة للفرجة، فلماذا لا يعيدها إلى وطنها؟

إن حجب الجسد عن أنظار الجمهور خطوة تستحق التقدير، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء القضية. فالسيدة المصرية ما زالت موجودة في بريطانيا، على بعد آلاف الكيلومترات من طيبة التي عاشت فيها ودُفنت على ضفتها الغربية قبل نحو 2700 عام.

سيدة مصرية لها اسم وأسرة

لم تكن «أسرو» ملكة أو أميرة، لكنها كانت على الأرجح من أسرة ذات مكانة اجتماعية معتبرة. وتشير دراسة تابوتها ونقوشه إلى أنها عاشت في طيبة، الأقصر حاليًا، خلال العصر المتأخر، ويرجح أنها عاصرت الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين.

وتحمل النقوش اسم والدتها «تادي آمون»، واسم والدها «با كوش»، الذي كان كاتبًا إداريًا في المنطقة الجنوبية. أما اسم «أسرو» فيحمل دلالة ترتبط بالحماية وقوة الإلهة «موت»، زوجة آمون في العقيدة المصرية القديمة.

وتشير الأشعة والفحوص الطبية إلى أنها ماتت في عمر يتراوح بين خمسين وستين عامًا، وهو عمر متقدم نسبيًا في ذلك الزمن. كما أظهرت إصابتها بالتهاب المفاصل والبلهارسيا وبعض الطفيليات، وقدمت معلومات مهمة عن صحتها وظروف الحياة في مصر القديمة.

هذه التفاصيل أعادت إلى «أسرو» جانبًا من إنسانيتها التي أخفاها طويلًا رقم التسجيل المتحفي. إنها امرأة كان لها أب وأم واسم وحياة ومرض وموت، وليست مجرد «مومياء مصرية» مجهولة داخل صندوق زجاجي.

رحلة غامضة إلى مانشستر

حصل الشقيقان البريطانيان روبرت ووليام جارنيت على مومياء «أسرو» في مصر في أوائل القرن التاسع عشر، ثم نُقلت إلى بريطانيا وقُدمت سنة 1825 إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي، التي انتقلت مجموعاتها لاحقًا إلى متحف مانشستر.

ولا تقدم المعلومات المنشورة حتى الآن رواية مكتملة عن مكان الحصول على المومياء، أو الشخص الذي باعها، أو الوثائق التي سمحت بخروجها من مصر. لكن المعروف أنها وصلت إلى مانشستر في عصر شهد اندفاع القناصل والتجار والمغامرين الأوروبيين نحو شراء الآثار والمومياوات ونقلها إلى بلادهم.

كانت مصر آنذاك تفتقر إلى منظومة متكاملة لحماية آثارها، بينما امتلك الأوروبيون المال والنفوذ والسفن وشبكات التجارة. ولذلك خرجت آلاف القطع والمومياوات في ظروف لا يمكن فصلها عن اختلال ميزان القوة بين مصر والدول الأوروبية.

وقد لا تتوافر وثيقة تثبت أن «أسرو» هُرّبت وفق المفهوم الجنائي الحالي، لكن عدم وجود دليل منشور على التهريب لا يثبت بالضرورة أن خروجها كان مشروعًا. فهناك فارق بين ما كان مسموحًا به أو مسكوتًا عنه في القرن التاسع عشر وبين ما نعدّه اليوم عادلًا وأخلاقيًا.

جسد يُفتح أمام الجمهور

في أبريل 1825 فُكّت لفائف مومياء «أسرو» داخل جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي. وكانت حفلات فتح المومياوات رائجة في أوروبا خلال تلك الفترة، حيث يجتمع الأثرياء والباحثون والهواة لمشاهدة كشف اللفائف عن أجساد الموتى المصريين.

اختلط البحث العلمي آنذاك بالفرجة والاستعراض والرغبة في امتلاك «غرائب الشرق». ولم تكن كرامة أصحاب الجثامين أو معتقداتهم الجنائزية تحظى بالاهتمام الذي تناله حاليًا.

وبعد فتح لفائفها، ظل جسد «أسرو» معروضًا بصورة شبه متواصلة على مدار قرنين. شاهدها ملايين الزائرين، والتُقطت الصور بجوارها، بينما كانت رسالتها الجنائزية الأصلية واضحة: الحفاظ على الجسد داخل التابوت وضمان راحته واستمراره في العالم الآخر.

لماذا غادرت واجهة العرض؟

بدأ متحف مانشستر عام 2025 مشاورات عامة بشأن استمرار عرض جسد «أسرو»، بالتزامن مع مرور مائتي عام على فتح موميائها. وشارك في النقاش زوار ومتخصصون وموظفون وممثلون عن مجتمعات مختلفة، مع إجراء اتصالات بأطراف مصرية.

ودار النقاش حول مدى أخلاقية عرض جسد إنسان توفي منذ آلاف السنين من دون موافقته، وما إذا كانت القيمة التعليمية تبرر كشف الرفات البشرية أمام الجمهور.

وانتهى المتحف في سبتمبر 2026 إلى إزالة الجسد من العرض وإعادته إلى تابوته، مع استمرار عرض التابوت داخل قاعة مصر والسودان. واعتمد القرار على أن معتقدات «أسرو» توضح أنها كانت ترغب في بقاء جسدها محميًا داخل تابوتها، لا مكشوفًا أمام أنظار الغرباء.

إنها خطوة إنسانية مهمة تعكس تطور أخلاقيات المتاحف. لكنها تعالج طريقة العرض ولا تحسم مشروعية الحيازة أو مستقبل الجسد نفسه.

الرفات البشرية ليست قطعًا عادية

تختلف المومياء عن التمثال أو العملة أو الإناء الفخاري؛ فهي جسد إنسان حقيقي. ولذلك لا يجوز أن تخضع فقط لقواعد ملكية المقتنيات، بل يجب أن تحظى بمعايير خاصة تحترم الكرامة الإنسانية والمعتقدات الدينية والارتباط بالمجتمع الأصلي.

وقد أعادت متاحف كثيرة حول العالم رفاتًا بشرية إلى أستراليا ونيوزيلندا وكندا والولايات المتحدة وإفريقيا. ولم تستند عمليات الإعادة دائمًا إلى أحكام قضائية، بل تمت أحيانًا باعتبارها واجبًا أخلاقيًا وتصحيحًا لممارسات استعمارية قديمة.

ولمتحف مانشستر نفسه خبرة في هذا المجال؛ فقد أعاد عام 2023 عددًا كبيرًا من المقتنيات إلى شعب أنينديلياكوا، أحد شعوب أستراليا الأصليين. وهذه السابقة تجعل فتح النقاش حول إعادة «أسرو» أمرًا منطقيًا ومتسقًا مع السياسة الأخلاقية التي يتبناها المتحف.

المطلوب ملف مصري رسمي

لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة المصرية على الاحتفاء بإخراج المومياء من العرض. المطلوب تحرك علمي وقانوني هادئ يبدأ بالحصول على ملف الحيازة كاملًا: أين عُثر على المومياء؟ ومن حصل عليها؟ وهل توجد وثيقة شراء؟ ومن منح الإذن بخروجها؟ وكيف انتقلت ملكيتها إلى الجمعية ثم إلى المتحف؟

ويمكن لوزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار تشكيل لجنة تضم خبراء الآثار والقانون الدولي وأخلاقيات المتاحف لدراسة الملف والتواصل مع جامعة مانشستر وإدارة المتحف، تمهيدًا لطلب الإعادة الطوعية إذا دعمت الوثائق والمبادئ الأخلاقية ذلك.

ويمكن، بعد عودة «أسرو»، إيداعها في مكان مصري ملائم للحفظ والدراسة، مثل المتحف القومي للحضارة المصرية أو أحد متاحف الأقصر، مع الالتزام بعدم كشف جسدها للفرجة، والاستفادة من التقنيات الرقمية والصور والأشعة في شرح قصتها للزائرين.

احترامها يكتمل بعودتها

لقد حقق قرار متحف مانشستر جزءًا من العدالة المتأخرة، فأعاد «أسرو» إلى تابوتها بعد قرنين من العرض. لكن احترام كرامتها لا ينبغي أن يتوقف عند إغلاق التابوت، بل يجب أن يمتد إلى مناقشة حقها في العودة إلى الأرض التي عاشت فيها واختارت أن تُدفن بين ترابها.

ليس الهدف إغلاق أبواب التعاون العلمي بين مصر والمتاحف العالمية، وإنما بناء تعاون يقوم على الشفافية والاحترام وتكافؤ الحقوق. ويمكن إجراء الدراسات العلمية عبر شراكات رسمية، من دون أن تتحول أجساد المصريين القدماء إلى ممتلكات دائمة خارج وطنهم.

غادرت مومياء «أسرو» واجهة العرض، لكنها لم تغادر بريطانيا بعد. وبين الخطوتين تقف مسؤولية مشتركة أمام مصر ومتحف مانشستر: أن تتحول كرامة السيدة المصرية من شعار متحفي إلى فعل كامل، يبدأ بإغلاق صندوق العرض وينتهي بفتح طريق العودة إلى الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights