سلايدرمقالات

الخبير الذي يكتب شهادة الميلاد: صناعة “النَّسب” الأثري

(أشهر لصوص الآثار المصرية ٤٣)

بقلم: د. قاسم زكي، عضو اتحاد الآثريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

في عالم تهريب الآثار، لا تبدأ الجريمة دائمًا من المقبرة، ولا تنتهي عند صالة المزاد. هناك حلقة أخطر، أكثر هدوءًا، وأشد أناقة من يد الحفار، ومن حقيبة المهرب، ومن واجهة التاجر. إنها حلقة “الخبير”؛ ذلك الشخص الذي لا يحمل فأسًا، ولا يفتح مقبرة، ولا يقطع رأس تمثال، لكنه يملك قلمًا قد يكون أخطر من كل أدوات اللصوص. قلم يكتب شهادة ميلاد جديدة لقطعة أثرية خرجت من قبرها بلا نسب، فيمنحها اسمًا، وسجلًا، وتاريخ ملكية، وطريقًا نظيفًا إلى السوق.

هنا لا تكون السرقة مجرد إخراج قطعة من أرضها، بل تصبح عملية كاملة لإعادة خلقها قانونيًا. فالقطعة المنهوبة لا تدخل السوق العالمية عارية من الوثائق؛ إنها تحتاج إلى ثوب محترم، إلى قصة مقنعة، إلى “نَسَب” يجعلها تبدو كأنها خرجت منذ زمن بعيد، وكأنها كانت دائمًا ضمن مجموعة خاصة، أو ورثها جامع أوروبي عن عائلته، أو اقتناها تاجر في زمن كانت فيه القوانين رخوة، والحدود مفتوحة، والضمائر نائمة.

النَّسب الأثري: الاسم الجديد للقطعة المنهوبة

النَّسب في اللغة هو الأصل والانتساب. وفي سوق الآثار، يصبح “النسب الأثري” أو Provenance هو السجل الذي يروي أين كانت القطعة، ومن امتلكها، ومتى انتقلت، وكيف وصلت إلى يد البائع الحالي. نظريًا، يفترض أن يكون النسب وسيلة لحماية التراث، لأنه يكشف ما إذا كانت القطعة خرجت من بلدها بطريقة مشروعة أم لا. لكن في السوق المظلم، يتحول النسب نفسه إلى أداة تبييض.

فالقطعة المسروقة لا تحتاج فقط إلى مشترٍ، بل تحتاج قبل ذلك إلى “سيرة ذاتية”. لا يكفي أن يقال إنها تميمة فرعونية، أو رأس تمثال من الدولة الحديثة، أو لوحة جنائزية من العصر المتأخر. بل يجب أن يقال معها: “من مجموعة خاصة أوروبية قبل عام كذا”، أو “اقتُنيت من تاجر معروف في ستينيات القرن العشرين”، أو “ظهرت في كتالوج قديم”، أو “كانت ضمن مجموعة عائلية مغلقة”. هذه العبارات تبدو بريئة، لكنها أحيانًا تكون الغطاء الناعم لجريمة خشنة.

الخبير ليس بريئًا دائمًا

ليس كل خبير آثار متهمًا، ولا يجوز التعميم. فهناك خبراء شرفاء بذلوا أعمارهم في حماية التراث، وكشف التزوير، ومساعدة المتاحف والجهات الرسمية على رد القطع المنهوبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول بعض الخبراء إلى “كتبة أنساب” لا إلى علماء. يصبح دورهم ليس البحث عن الحقيقة، بل صناعة رواية قابلة للبيع.

هذا الخبير يعرف لغة السوق. يعرف ما الذي تحتاجه صالة المزاد. يعرف أن المشتري الثري لا يريد قطعة جميلة فقط، بل يريد قطعة لا تثير خوفه القانوني. يعرف أن المتحف لا يريد فضيحة. يعرف أن دار المزادات تحتاج إلى كلمات مطمئنة: “ملكية خاصة قديمة”، “مصدر أوروبي”، “موثقة سابقًا”، “لا توجد مطالبات معروفة”. وهكذا تُصاغ الجملة بعناية، لا لتكشف الحقيقة كاملة، بل لتترك مساحة آمنة للإنكار.

إن أخطر ما في هذا النوع من الخبراء أنه يقف في منطقة رمادية بين العلم والتجارة. يتحدث بلسان الأكاديمي، لكنه يتحرك أحيانًا بعقل السمسار. يستخدم المصطلحات الفنية، ويقرأ النقوش، ويحدد العصر، ويقارن الأسلوب، ثم يضع ختم الثقة على قطعة قد تكون خرجت من حفرة غير شرعية قبل شهور قليلة.

صناعة القصة قبل صناعة السعر

في سوق الآثار، القيمة لا تأتي من الجمال وحده. قطعة صغيرة قد ترتفع قيمتها عشرات المرات إذا امتلكت نسبًا قويًا. تميمة بلا تاريخ ملكية قد تكون مشبوهة؛ أما التميمة نفسها إذا قيل إنها من مجموعة أوروبية قديمة، أو ظهرت في كتالوج مزاد منذ نصف قرن، فإنها تدخل السوق بوجه جديد.

هنا تظهر براعة “الصناعة”. لا يتم اختراع القصة دائمًا من الصفر، بل تُنسج من شذرات: اسم جامع قديم، إيصال غامض، صورة باهتة، كتالوج قديم، عبارة عامة، أو وثيقة لا تثبت شيئًا لكنها توحي بالكثير. يتم وضع القطعة داخل سردية زمنية طويلة حتى تبدو أقدم من الشبهة، وكأن مرور الزمن وحده يغسل الجريمة.

وقد تكون العبارة الأكثر خطورة هي: “من مجموعة خاصة”. فهذه الجملة، رغم بساطتها، قد تكون صندوقًا مغلقًا لا نعرف داخله شيئًا. أي مجموعة؟ في أي بلد؟ متى دخلتها القطعة؟ هل خرجت من مصر قبل القوانين الحامية للآثار أم بعدها؟ هل توجد وثائق تصدير؟ هل هناك صورة منشورة قبل تاريخ معين؟ إن كلمة “خاصة” قد تتحول إلى ستار يخفي عامًا مظلمًا، ومصدرًا مجهولًا، وسلسلة من الأيدي غير المعلنة.

شهادة الميلاد الثانية

كل قطعة أثرية لها شهادة ميلاد أولى: مكانها الأصلي، مقبرتها، معبدها، طبقتها الأثرية، علاقتها بما حولها. هذه الشهادة الحقيقية لا يكتبها التاجر، بل يكتبها السياق الأثري. حين تُنتزع القطعة من مكانها خلسة، تموت شهادة الميلاد الأولى. لا نعرف من كان بجوارها، ولا في أي طبقة وُجدت، ولا ماذا كانت تقول علاقتها بالمكان.

ثم يأتي الخبير غير النزيه ليكتب شهادة ميلاد ثانية. شهادة لا تقول: “خرجت من مقبرة منهوبة”، بل تقول: “من مجموعة أوروبية قديمة”. لا تقول: “فُقد سياقها العلمي إلى الأبد”، بل تقول: “قطعة جميلة ذات أهمية فنية”. لا تقول: “هذه جريمة ضد الذاكرة”، بل تقول: “فرصة اقتناء نادرة”.

وهكذا تُولد القطعة مرة أخرى، لكن هذه المرة في دفتر السوق لا في دفتر التاريخ.

حين تتحول الصالة إلى مغسلة

دور المزادات الكبرى والصالات اللامعة في هذه العملية لا يقل خطورة. فهي لا تبيع الحجر فقط، بل تبيع الثقة. المشتري حين يرى القطعة في صالة معروفة يطمئن؛ يظن أن كل شيء قد فُحص، وأن النسب قد تحقق، وأن القانون قد أخذ مجراه. لكن التاريخ أثبت أن بعض القطع المنهوبة استطاعت أن تمر عبر مؤسسات مرموقة قبل أن تُكشف لاحقًا.

هنا تعمل صالة المزاد أحيانًا كمغسلة رمزية. تعرض القطعة، تنشر صورتها، تمنحها رقمًا في كتالوج، وتدخلها في سجل علني. وبعد ذلك يصبح ظهورها السابق نفسه جزءًا من نسبها الجديد. أي أن السوق لا يكتفي ببيع القطعة، بل يخلق لها وثيقة وجود. فإذا ظهرت مرة أخرى بعد سنوات، قيل عنها: “منشورة سابقًا في مزاد كذا”. وهكذا تتحول حلقة البيع الأولى إلى شهادة لاحقة، حتى لو كانت البداية نفسها ملوثة.

الضحية ليست الحجر فقط

حين تُسرق قطعة أثرية، لا تخسر مصر حجرًا أو تمثالًا فقط. تخسر معلومة. تخسر طبقة من التاريخ. تخسر علاقة بين أثر ومكان. تخسر قدرة الباحث على الفهم. فالقطعة حين تُنتزع من سياقها تصبح مثل صفحة مقطوعة من كتاب. قد تبقى جميلة، لكنها لا تعود قادرة على رواية القصة كاملة.

والخبير الذي يكتب لها نسبًا مزيفًا لا يسرق الماضي مرة واحدة، بل يسرقه مرتين: الأولى حين يشارك في إخفاء الجريمة، والثانية حين يمنحها رواية بديلة تمحو الجريمة نفسها. إنه لا يبيع الأثر فقط، بل يبيع الذاكرة في صورة أنيقة.

كيف نواجه صناعة النسب المزيف؟

مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصراخ وحده، بل بالعلم والوثيقة والمتابعة. يجب أن تمتلك مصر قاعدة بيانات قوية للقطع المفقودة، وصورًا موثقة، وسجلات للحفائر القديمة، وتعاونًا بين الآثاريين والقانونيين والدبلوماسيين. كما يجب الضغط من أجل أن تكون صالات المزاد أكثر شفافية، وأن لا تكفي عبارات عامة مثل “مجموعة خاصة” أو “ملكية أوروبية قديمة” دون وثائق واضحة.

كذلك ينبغي تدريب جيل من الباحثين على قراءة كتالوجات المزادات، وتتبع الأنساب المشبوهة، ومقارنة الصور، وكشف العبارات الملتوية. فالمعركة اليوم لم تعد فقط في الصحراء أو الجبل أو المقبرة، بل أصبحت أيضًا في النصوص الصغيرة أسفل صور القطع، وفي الحواشي القانونية، وفي شهادات الخبراء.

خاتمة: اللص الأنيق

في سلسلة أشهر لصوص الآثار المصرية، لا ينبغي أن نبحث عن اللص في صورة نمطية واحدة. ليس كل لص رجلًا يحمل جوالًا في الليل. أحيانًا يكون اللص أنيقًا، يجلس خلف مكتب، يكتب تقريرًا، يضع توقيعًا، ويمنح قطعة منهوبة شهادة ميلاد جديدة. هذا هو اللص الأخطر: لا يترك أثر قدم في الرمال، لكنه يترك أثر قلم في السوق.

إن “الخبير الذي يكتب شهادة الميلاد” ليس مجرد شاهد على الجريمة، بل قد يكون شريكًا في اكتمالها. فبدون نسب مصطنع، تظل القطعة مشبوهة. وبدون قصة ناعمة، يصعب بيع الذاكرة المسروقة. لذلك فإن معركة حماية الآثار المصرية لا تبدأ فقط من حراسة المواقع، بل من فضح اللغة التي تبيّض الجريمة، ومن مساءلة كل شهادة نسب لا تقول الحقيقة كاملة.

فالآثار لا تحتاج إلى شهادات ميلاد مزورة. إنها وُلدت مرة واحدة في أرضها، وتاريخها الحقيقي يبدأ من هناك: من مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights