مقالاتسلايدر

يوسف عليه السلام: من غيابات السجن إلى عرش مصر… حكمة المحنة والمنحة

يطيب القلب، وتشعر النفس براحة عميقة حينما نقرأ سورة يوسف؛ فهي ليست مجرد قصة من قصص الأنبياء، وإنما رحلة إنسانية عظيمة تتجلى فيها حكم الله سبحانه وتعالى، وتتكشف من خلالها معاني الصبر، والعفو، والثقة بالله، والفرج بعد الشدة.
في قصة يوسف عليه السلام، ذاق النبي الكريم مرارة الظلم منذ طفولته؛ ألقاه إخوته في غيابة الجب، ثم بيع عبدًا، وانتقل إلى قصر العزيز، قبل أن يجد نفسه في غيابات السجن ظلمًا رغم براءته وعفته، ومع ذلك، لم يتحول الألم في قلبه إلى حقد، ولم يدفعه الظلم إلى اليأس، بل ظل ثابتًا على إيمانه وأخلاقه.

لعل الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل من حياة يوسف آية للظالم، ورسالة طمأنينة للمظلوم: أن الظلم مهما طال، فله نهاية، وأن تدبير الله قد يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان.
ومن أجمل ما في قصة يوسف أن محطات الألم نفسها أصبحت جسورًا إلى التمكين؛ فالبئر كان بداية الطريق، والرق كان مرحلة، والسجن الذي ظنه الناس نهاية لحياته أصبح بابًا إلى المجد والتمكين، خرج يوسف من السجن لا يحمل ثأرًا، وإنما يحمل علمًا وحكمة وأمانة، حتى أصبح مسؤولًا عن خزائن مصر.
وهنا تتجلى واحدة من أعظم رسائل آيات الذكر الحكيم: ليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل محنة عقوبة، وليس كل باب مغلق نهاية للطريق، فقد يخفي الله وراء المحنة منحة، ووراء الألم حكمة، ووراء الانتظار قدرًا أجمل مما نتوقع.
كما تعلمنا القصة أن الأخلاق لا تتغير بتغير الظروف؛ فيوسف كان عفيفًا في القصر، صابرًا في السجن، أمينًا في موقع المسؤولية، ومتسامحًا عندما امتلك القوة. وحين أصبح قادرًا على الانتقام ممن ظلموه، اختار العفو، وقال لإخوته:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
وهذه من أعظم الرسائل الأخلاقية في القصة: أن قوة الإنسان الحقيقية لا تظهر عندما يستطيع أن ينتقم، بل عندما يستطيع أن يعفو.
ولعل أجمل ما تمنحه لنا سورة يوسف هو ذلك اليقين الراسخ بأن الله يرى ما لا نراه، ويدبر من حيث لا نعلم، فقد يمر الإنسان بمرحلة يشعر فيها أن حياته تتجه إلى المجهول، بينما يكون الله سبحانه وتعالى يهيئ له طريقًا لم يكن يتخيله.
من غيابة الجب إلى قصر العزيز، ومن القصر إلى السجن، ومن السجن إلى خزائن مصر؛ كانت حياة يوسف سلسلة من الابتلاءات، لكنها في النهاية كشفت عن حقيقة عظيمة: أن الإنسان قد يرى فصلًا مؤلمًا من حياته، بينما يرى الله القصة كاملة.
ولهذا تبقى سورة يوسف قريبة من القلب؛ لأنها تمنح المظلوم طمأنينة، والمبتلى صبرًا، والخائف أمانًا، واليائس أملًا، وتذكر الجميع بأن تدبير الله أجمل من كل التدابير التي نضعها لأنفسنا…وسأظل ابكي داخليا حينما اقرأ سورة يوسف.. وللحديث بقية
ثمرات الفكر:
ربما في بعض المحن سبيل لمنحة ربانية قد تدركها بصائرنا ولا تراها أبصارنا
وللأفكار ثمرات مادام في العقل كلمات وفي القلب نبضات.. مادام في العمر لحظات
علاء الدماصي
Journalistalaa7@gmail.com
مستشار اعلامي ومحاضر وباحث أكاديمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights