
في لحظة ما من العمر، يتوقف الضجيج فجأة…..لا أصوات، لا اتصالات، لا رسائل، لا سؤال عن الحال….الهاتف الذي كان لا يهدأ يصمت، والوجوه التي كانت تبتسم تختفي، والأضواء التي كانت تحيط بك تنطفئ واحدة تلو الأخرى.
حينها فقط، يبدأ السؤال الحقيقي: هل كنت حاضرًا فعلًا، أم مجرد عابر في زحام المصالح؟
نعيش في زمنٍ سريع، كل شيء فيه مؤقت، حتى المشاعر. تُبنى العلاقات على الحاجة، ويُقاس النجاح بكمية الانتباه لا بجودة الأثر.
لكن الحياة لا تستمر بهذا الإيقاع دائمًا، فلكل ضجيج نهاية، ولكل ضوء وقت يخبو فيه.
وهنا، تظهر الحقيقة التي حاولنا كثيرًا تجاهلها: من يبقى حين نصمت؟ ومن يتذكرنا حين نغيب؟
أولًا: الضجيج ليس دليل قيمة
كثيرون يظنون أن كثرة الاتصالات تعني أنهم مهمون، وأن الالتفاف حولهم يعني أنهم محبوبون، وأن كثرة الكلام عنهم تعني أنهم مؤثرون. لكن الحقيقة أبسط وأقسى:الضجيج في أغلب الأحيان لا يصنعه الإنسان، بل تصنعه المصلحة.
حين تكون نافعًا، حاضرًا، قادرًا على العطاء، يكثر السؤال عنك. وحين تتراجع خطوة، لأي سبب، يخف الاهتمام، ثم يختفي.
وهنا يقع الخطأ الكبير: أن يربط الإنسان قيمته بما يسمعه من الآخرين، لا بما يعرفه عن نفسه.
القرآن الكريم يضع هذا الأمر في نصابه الصحيح حين يقول:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾فالضجيج جزء من الزينة، لا من الحقيقة.
ثانيًا: لماذا نحب الضجيج؟
الإنسان بطبعه يحب الشعور بالتقدير، وهذا أمر فطري لا يُلام عليه. لكن الخطورة تبدأ حين يتحول هذا الشعور إلى إدمان.
إدمان الاهتمام، إدمان التصفيق، إدمان أن نكون في الصورة دائمًا.
وسائل التواصل الحديثة غذّت هذا الشعور، فصار الإنسان يقيس وجوده بعدد الإشعارات، ويشعر بالقلق إن غاب اسمه عن المشهد.
لكن السؤال الأهم:هل هذا الاهتمام حقيقي؟ أم أنه مؤقت وسريع الزوال؟
فالاهتمام الحقيقي لا يحتاج ضجيجًا، ولا إعلانًا، ولا حضورًا دائمًا.انما الاهتمام الحقيقي يظهر وقت الشدة، لا وقت الرفاه.
ثالثًا: صمت الهواتف… لحظة مؤلمة لكنها صادقة
حين يصمت الهاتف، نشعر بالفراغ.
ليس لأن الهاتف مهم، بل لأن الصمت يكشف الحقيقة.
في هذه اللحظة، يدرك الإنسان أن كثيرًا ممن كانوا حوله لم يكونوا مرتبطين به، بل بما يقدمه.
وهنا تتجلى حكمة النبي ﷺ حين قال:«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فمن كانت نيته صادقة، لم يهزه الصمت.
ومن كانت نيته معلقة بالناس، أوجعه الصمت وكسره.
الصمت ليس عقوبة، بل كشف.
يكشف نوع العلاقات، ويكشف حقيقة القلوب، ويكشف لمن كنا نعمل.
رابعًا: حين تنحسر الأضواء
الأضواء مثل الشمس، لا تبقى في مكان واحد…فاليوم عليك، وغدًا على غيرك…كثيرون لمعوا فجأة، ثم اختفوا فجأة. لا لأنهم سيئون، بل لأنهم ربطوا وجودهم بالضوء لا بالجذور.والإنسان بلا جذور، تسقطه أول ريح.
الله تعالى يقول:﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾
فمن جعل غايته رضا الله، ثبت أثره، ولو لم يكن مشهورًا.
والنبي ﷺ يضع الميزان بوضوح:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
فالقيمة الحقيقية ليست فيما يظهر، بل فيما يُخفى.
خامسًا: اختبار الغياب
الغياب اختبار صعب، لكنه صادق.
حين تغيب، تعرف مكانتك الحقيقية في قلوب الناس.
هل يفتقدونك لشخصك؟
أم يفتقدون ما كنت تقدمه؟
وهنا يتعلم الإنسان درسًا مهمًا:لا تحزن إن قلّ السؤال عنك، بل احمد الله أنك عرفت الحقيقة.
ليس كل من اقترب كان صادقًا، وليس كل من ابتعد كان جاحدًا.
لكن المؤكد أن الله حين يُبعد عنك بعض الناس، فهو يحمي قلبك من وهم كبير.
سادسًا: تحت التراب… تتساوى الأصوات
عند القبر، ينتهي كل شيء.
لا ضجيج، لا ألقاب، لا أضواء.
يبقى العمل فقط.يبقى الأثر فقط.
قال الله تعالى:﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾وقال:﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
ويقول النبي ﷺ:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…»
هنا تُختصر القصة كلها:
هل تركت خيرًا؟هل كنت نافعًا؟
هل كان حضورك رحمة أم عبئًا؟
سابعًا: ماذا يبقى فعلًا؟
لا يبقى المال، ولا المنصب، ولا الشهرة.يبقى ما زرعته في القلوب.
يبقى دعاء صادق.يبقى موقف إنساني.يبقى أثر طيب.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.”والعاقل من انتبه قبل أن يُوقظ.
ثامنًا: دروس عملية من الصمت
لا تجعل قيمتك في أعين الناس
لا تربط سعادتك بالاهتمام المؤقت
اعمل في الخفاء كما تحب أن تعمل في العلن. واختر علاقاتك بعناية
تذكر دائمًا أن الله هو الثابت الوحيد
حين يصمت الضجيج، لا تخف. فالصمت ليس نهاية، بل بداية وعي. من عاش للأضواء تعب.
ومن عاش لله اطمأن.اجعل لنفسك أثرًا لا يزول، وعملاً لا ينقطع، وقلبًا لا يتعلق إلا بالله.فحين يصمت كل شيء، يبقى الله، ويبقى ما كان لله.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش



