
بقلم د. رقية الأشرم
لم تعد أزمة الاتصالات في مصر مجرد مشكلة تقنية عابرة، ولا مجرد شكاوى متكررة من ضعف الشبكات أو انقطاع الإنترنت أو سوء جودة المكالمات، بل تحولت إلى أزمة يومية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، وتكشف عن تناقض واضح بين ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمة.
في السنوات الأخيرة، شهد المواطن المصري زيادات متتالية في أسعار باقات الإنترنت والمكالمات، في وقت يعاني فيه من ضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة. ومع كل زيادة جديدة، يتجدد السؤال نفسه: لماذا يدفع المواطن أكثر بينما يحصل على خدمة أقل جودة؟
أصبحت شبكات الاتصالات بالنسبة للمصريين مصدرًا دائمًا للغضب والمعاناة. مكالمات تنقطع فجأة، إنترنت بطيء، تغطية ضعيفة، وأعطال متكررة، رغم أن قطاع الاتصالات يُعد من أكثر القطاعات تحقيقًا للأرباح. المواطن اليوم لا يطلب رفاهية، بل يطالب بحق أساسي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية: اتصال مستقر وخدمة تليق بما يدفعه من أموال.
لكن القضية لم تعد مرتبطة براحة المواطن فقط، بل أصبحت قضية اقتصادية وتنموية من الدرجة الأولى. فالعالم الحديث لم يعد قائمًا على المصانع وحدها أو الموارد التقليدية، بل أصبح اقتصادًا رقميًا يعتمد بصورة أساسية على قوة البنية التحتية للاتصالات والمعلومات. أي دولة تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية أو بناء اقتصاد حديث لا يمكنها أن تنجح دون شبكة اتصالات قوية، وإنترنت سريع، وبنية رقمية متطورة.
المستثمر الأجنبي حين يفكر في دخول أي سوق، لا ينظر فقط إلى القوانين أو الحوافز الضريبية، بل ينظر أولًا إلى جاهزية البنية التحتية: هل توجد شبكة اتصالات مستقرة؟ هل الإنترنت قادر على دعم الأعمال والتكنولوجيا؟ هل البيئة الرقمية تساعد على الإنتاج والتواصل وإدارة الاستثمارات؟ لأن الاتصالات اليوم لم تعد خدمة تكميلية، بل أصبحت عصب الاقتصاد الحديث.
فالشركات العالمية، والبنوك، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الرقمي، والعمل عن بُعد، وحتى الأنظمة الأمنية والإدارية، كلها تعتمد بشكل كامل على كفاءة شبكات الاتصالات. وعندما تكون الخدمة ضعيفة والأسعار مرتفعة، فإن الرسالة التي تصل للمستثمر وللمواطن معًا هي أن البنية الأساسية تعاني من خلل حقيقي.
والأخطر من ذلك أن استمرار رفع الأسعار دون تحسين ملموس في جودة الخدمة يزيد من حالة الاحتقان الشعبي، ويعمّق شعور المواطن بأن الأعباء تُلقى دائمًا على كاهله وحده. فالمواطن البسيط أصبح يدفع ثمن كل شيء: الكهرباء، الوقود، الغذاء، التعليم، والآن حتى حقه في التواصل والإنترنت بات عبئًا ثقيلًا.
إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق فقط عبر المشروعات الكبرى والشعارات الاقتصادية، بل يبدأ من تحسين حياة المواطن اليومية وتوفير خدمات أساسية بكفاءة وعدالة. والاتصالات اليوم ليست رفاهية، بل حق اقتصادي وتنموي وأمني. فلا يمكن الحديث عن “التحول الرقمي” بينما يعاني المواطن من ضعف الشبكات، ولا يمكن الحديث عن جذب الاستثمارات في ظل بنية اتصالات غير مستقرة وأسعار تتزايد باستمرار.
المطلوب اليوم ليس مجرد زيادة الأسعار، بل مراجعة حقيقية لأولويات قطاع الاتصالات، وربط أي زيادات بتحسين فعلي وملموس في جودة الخدمة، مع احترام حق المواطن في الحصول على خدمة تليق بما يدفعه.
لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تجمعه من أموال، بل بقدرتها على توفير حياة كريمة وخدمات محترمة لمواطنيها، وبمدى قدرتها على بناء بنية تحتية حديثة تفتح أبواب التنمية بدلًا من أن تتحول إلى عبء جديد على الناس.




