ما الذي يجعل السوق العقاري المصري مختلفا عن العالم؟.. شيرين الزعبي | International Property Consultant

ما الذي يجعل السوق العقاري المصري مختلفا عن العالم؟
شيرين الزعبي | International Property Consultant

إذا كنا نتفق على أن السوق العقاري المصري يمتلك خصوصية واضحة، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: كيف يمكننا فهم هذه الخصوصية وتحويلها إلى قراءة عملية تساعد المشتري والمستثمر على اتخاذ قرارات أفضل؟
من واقع خبرتي واطلاعي على أسواق عقارية مختلفة، أرى أن التعامل مع مصر يتطلب النظر إلى عدة عوامل مجتمعة، لا الاكتفاء بسعر المتر أو اسم المطور أو حجم المشروع.
فالسوق لا يتحرك بالأرقام وحدها، بل يتأثر أيضا بطبيعة الطلب، ومراحل تطور المدن، والقدرة الشرائية، وتكلفة الاحتفاظ بالعقار، وسهولة تحويله إلى سيولة عند الحاجة.
أولا: التطور العمراني لا يعني مجرد بناء مدن جديدة
من أبرز التحولات التي تستحق الدراسة في مصر التوسع العمراني وتغير خريطة السكن والعمل والخدمات.
لكن إنشاء مدينة جديدة أو إطلاق مشروع ضخم لا يكفي وحده للحكم على نجاحه العقاري. القيمة الحقيقية ترتبط بما إذا كانت هذه المناطق ستتحول إلى مجتمعات قادرة على جذب السكان بصورة مستدامة.
هل توجد خدمات يومية يحتاج إليها السكان؟ هل الوصول إلى أماكن العمل والتعليم والرعاية الصحية سهل؟ هل تتطور البنية التحتية بالتوازي مع البناء؟ وهل يوجد طلب فعلي على السكن، أم أن المعروض يسبق الاحتياج المتوقع بفترة طويلة؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من الاكتفاء بمشاهدة الصور الترويجية أو متابعة حجم الإنشاءات.
كما أن المناطق التي وصلت إلى درجة من النضج تختلف في طبيعة الاستثمار عن المناطق التي لا تزال في مراحلها الأولى. الأولى قد تتمتع بطلب سكني أوضح وخدمات أكثر اكتمالا، بينما قد تقدم الثانية فرصا مختلفة، لكنها قد تتطلب فترة انتظار أطول وتحملا لمستوى أعلى من عدم اليقين.
ثانيا: ارتفاع الأسعار ليس هو العائد الحقيقي
من الأخطاء الشائعة في قراءة السوق العقاري اعتبار ارتفاع السعر دليلا كافيا على نجاح الاستثمار.
قد يشتري شخص وحدة بسعر معين ثم يجد أن سعرها المعلن ارتفع بعد عامين، لكنه عندما يحسب التضخم وتكاليف الصيانة والإدارة وفترات عدم التأجير وتكاليف إعادة البيع، يكتشف أن العائد الفعلي أقل بكثير مما كان يتوقع.
وهناك فرق أساسي بين ارتفاع السعر الاسمي وارتفاع القيمة الحقيقية.
كما أن الاستثمار العقاري لا يقاس بالطريقة نفسها لدى جميع المشترين. فمن يبحث عن دخل إيجاري منتظم يحتاج إلى دراسة الإيجارات الفعلية ومعدل الإشغال والمصروفات. أما من يستهدف زيادة قيمة الأصل على المدى الطويل، فعليه أن يدرس تطور المنطقة والطلب المتوقع ومستوى الأسعار مقارنة بالبدائل المتاحة.
وفي الحالتين، لا بد من حساب التكاليف والمخاطر قبل اتخاذ القرار، بدلا من بناء التوقعات على الزيادة التاريخية في الأسعار وحدها.
ثالثا: لماذا لا يمكن نقل تجربة دبي أو أمريكا إلى مصر كما هي؟
المقارنة بين الأسواق ضرورية، لكن يجب أن تكون مقارنة واعية.
في دبي، تختلف حسابات الاستثمار باختلاف المنطقة ونوع العقار وشريحة المستأجرين، كما تؤثر طبيعة الطلب الدولي والأنظمة المحلية وتكاليف التملك والتشغيل في النتائج.
وفي الولايات المتحدة، تختلف المعادلة من ولاية إلى أخرى، بل ومن مدينة إلى أخرى. وتدخل في الحسابات عوامل مثل الضرائب والتأمين وتكاليف التمويل والصيانة وطبيعة سوق الإيجار.
أما في مصر، فتتداخل عوامل أخرى، منها احتياجات السكن المحلية، وتغير القدرة الشرائية، وتكاليف البناء، وتقلبات أسعار الصرف، واختلاف طبيعة الطلب بين المناطق والشرائح المستهدفة.
لذلك فإن نجاح استراتيجية استثمارية في سوق معين لا يعني أنها ستنجح بالضرورة في سوق آخر.
المقارنة الصحيحة لا تبحث عن فائز مطلق، بل تدرس ما الذي يناسب هدف المستثمر، وقدرته المالية، وأفقه الزمني، ومستوى المخاطر الذي يستطيع تحمله.
رابعا: اسم المشروع لا يغني عن دراسة الموقع والطلب
قد يحمل المشروع اسما معروفا، وقد يتمتع بتصميم مميز أو مرافق جذابة، لكن هذه العناصر وحدها لا تضمن تحقيق أفضل عائد.
من الضروري أن نسأل: من سيشتري هذه الوحدة مستقبلا؟ ومن سيستأجرها؟ وهل يتناسب سعرها مع الشريحة المستهدفة؟ وما حجم المعروض المنافس في المنطقة؟ وهل يمكن إعادة بيعها بسهولة إذا تغيرت الظروف؟
هذه الأسئلة تكشف الفرق بين شراء عقار لأنه يبدو جذابا وبين اختياره بناء على دراسة واضحة.
فالعقار الجيد ليس بالضرورة الأكثر فخامة أو الأعلى سعرا، بل العقار الذي تتوافق خصائصه مع الهدف من شرائه، ويستند إلى طلب يمكن تحليله، وتكون مخاطره مفهومة بالنسبة إلى المشتري.
خامسا: هنا تظهر قيمة الاستشاري العقاري الحقيقي
دور الاستشاري العقاري لا ينبغي أن يتوقف عند عرض الوحدات أو نقل الأسعار من المطور إلى العميل.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الاستشاري أن يضع البدائل أمام العميل، ويشرح الفروق بينها، ويدرس السعر مقارنة بالسوق، ويحلل الطلب الإيجاري، ويكشف التكاليف التي قد لا تظهر في الإعلان، ويناقش مخاطر إعادة البيع والاحتفاظ بالعقار.
كما يجب أن يميز بين المعلومات المؤكدة والتوقعات، وبين البيانات المتاحة والوعود التسويقية.
فالقرار العقاري الناجح لا يعتمد على إقناع العميل بشراء وحدة بعينها، بل على مساعدته في معرفة ما إذا كانت هذه الوحدة مناسبة له من الأساس.
وهذا ما أراه ضروريا في سوق واسع ومتنوع مثل السوق المصري، حيث قد تختلف النتائج بصورة كبيرة بين مشروع وآخر، حتى داخل المنطقة نفسها.
السوق المصري يحتاج إلى أدواته الخاصة
أعود هنا إلى الفكرة الأساسية: خصوصية السوق المصري لا تعني أنه خال من المخاطر، ولا أن كل مشروع يمثل فرصة، ولا أن المقارنة مع الأسواق العالمية غير مفيدة.
بل تعني، من وجهة نظري، أن مصر تمتلك تركيبة عقارية تستحق التحليل المستقل، وأن فهمها يتطلب الجمع بين قراءة الاقتصاد، ومتابعة التحولات العمرانية، ودراسة احتياجات السكان، وتحليل الأرقام الفعلية لكل فرصة.
لا أرى أن السؤال الأهم هو كم ارتفع سعر العقار، بل لماذا ارتفع؟ وهل يستند هذا الارتفاع إلى طلب حقيقي؟ وهل يمكن استمراره؟ وما الذي سيحدث عندما يحتاج المالك إلى البيع أو التأجير؟
هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من متابعة السوق إلى فهمه.
وفي النهاية، لا توجد وصفة استثمارية واحدة تصلح لكل الأسواق أو لكل المستثمرين. لكن كلما فهمنا طبيعة السوق الذي نعمل فيه، أصبحنا أكثر قدرة على التمييز بين الفرص الحقيقية والمخاطر التي قد تختبئ خلف الأرقام الجذابة.
فالسوق العقاري لا يكافئ من يشتري أولا بالضرورة، بل قد يكافئ من يفهم ما الذي يشتريه، ولماذا يشتريه، ومتى يكون هذا القرار مناسبا له.




