
أدلة جديدة ترجّح تعرض بعض أفراد البلاط للعنف قرب الوفاة، لكنها لا تحسم تفاصيل مصيرهم قبل خمسة آلاف عام
بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين
في تاريخ مصر القديمة، اعتدنا أن نتأمل وجوه الملوك المنحوتة في الحجر، وأن نتتبع أسماءهم وانتصاراتهم ومنشآتهم. لكن خلف هذه الوجوه عاش أناس أقل ظهورًا: موظفون وحرفيون وأفراد حاشية، اقتربوا من السلطة في حياتهم، وربما ارتبط مصير بعضهم بها حتى الموت.
واليوم تعيد جماجم عمرها أكثر من خمسة آلاف عام طرح سؤال مقلق: هل انتهت حياة بعض هؤلاء عند وفاة حكامهم، كي يرافقوهم إلى العالم الآخر؟ السؤال قديم، لكن وسائل البحث الجديدة تمنحه أدلة لم تكن متاحة من قبل.
تتناول دراسة للباحثة روزالين كامبل، من جامعة بوردو الأمريكية، بقايا بشرية من مدافن فرعية مرتبطة بالمنشآت الجنائزية لحكام الأسرة الأولى في أبيدوس. وقد نُشرت في الخامس من أكتوبر ٢٠٢٦ بدورية «فرونتيرز إن إنفيرونمنتال آركيولوجي»*، لتعيد تقييم تفسيرات ترجع إلى حفائر فليندرز بيتري قبل نحو قرن.
سؤال تركه بيتري مفتوحًا
أثار وجود مدافن عديدة حول المنشآت الملكية احتمال أن يكون بعض أفراد الحاشية قد قُتلوا لمرافقة الحاكم بعد وفاته. لكن تفسير المدافن ظل موضع خلاف، خصوصًا مع غياب ما اعتبره الباحثون الأوائل إصابات قاتلة واضحة. وتعيد الدراسة الحالية النظر في هذه القراءة، مستفيدة من تطور معرفة إصابات العظام وما يطرأ عليها بعد الدفن.
وهذا التحول يستحق التأمل؛ فالاكتشاف العلمي قد يبدأ من سؤال قديم، ومن مادة محفوظة على رف في متحف. ليست قيمة الأثر في كونه جديدًا على أعيننا، وإنما في قدرتنا على استخراج معلومات موثوقة منه. وما بدا لباحث سابق مجرد كسر ناتج عن الزمن، قد يكتسب معنى مختلفًا حين يفحصه متخصص بأدوات ومعايير أحدث.
ماذا أضاف الفحص الحديث؟
رصدت كامبل، بين ٤٦ جمجمة محفوظة في مجموعة دكوورث بجامعة كامبريدج، إصابات قرب وقت الوفاة يحتمل أن تكون قاتلة في ١٨ جمجمة، أي نحو ٣٩٪ من العينة. وكانت الكسور الخطية الأكثر شيوعًا، مع وجود إصابات بأدوات حادة أيضًا. وتدعم هذه النتائج احتمال تعرض بعض الأفراد لعنف شديد، لكنها لا تكشف وحدها دوافعه أو ملابساته.
هنا ينبغي أن نفرق بين ما نراه وما نستنتجه. فالإصابة دليل مادي، أما تفسيرها بأنها تضحية جنائزية فيعتمد على جمعها مع سياق المقابر وعلاقتها بالمنشآت الملكية. لا تستطيع الجمجمة أن تخبرنا باسم المعتدي أو الأمر الذي تلقاه، ولا أن تحدد مشاعر صاحبها. لذلك تظل عبارة «تدعم الفرضية» أدق من إعلان حل اللغز كاملًا.
حدود الدليل جزء من قيمته
تقر الدراسة بأن المجموعة المتاحة ناقصة، وأن الجماجم تمثل جزءًا محدودًا من المدفونين، مع غياب معظم عظام بقية الجسم وتأثر بعض البقايا بمواد حفظ قديمة. وهذه القيود تجعل تعميم النتائج أمرًا يحتاج إلى الحذر.
ومن منظور إحصائي، فإن نسبة داخل عينة لا تتحول تلقائيًا إلى نسبة داخل المجتمع الأصلي. يجب أولًا أن نسأل كيف اختيرت البقايا، وما الذي فُقد منها، وهل كانت فرص حفظها متساوية. كما أن غياب الإصابة من جمجمة لا يثبت وفاة صاحبها طبيعيًا، مثلما أن وجودها لا يكفي وحده لإثبات قتل طقسي. قوة البحث تظهر حين يوضح هذه الحدود، ويسمح للقارئ بفهم مقدار ما يعرفه ومقدار ما يظل مجهولًا.
الخادم أم الموظف أم الحرفي؟
ويستحق تعبير «خدم الفراعنة» مراجعة في الصياغة الصحفية. فهو سهل التداول، لكنه قد يدفع القارئ إلى تصور جماعة متجانسة لا نعرف تنوعها. والأفضل أن نتحدث عن أفراد الحاشية أو البلاط عند تناول الفرضية، وأن نتجنب اختزال الأشخاص في صورة واحدة. فوظيفة الإنسان ومكانته وعلاقته بالحاكم مسائل ينبغي بحثها، لا افتراضها من موضع دفنه وحده.
كما أن السؤال «هل ماتوا مع ملوكهم؟» يحتمل أكثر من معنى. فقد يقصد التزامن في الوفاة، أو الدفن في إطار جنائزي واحد، أو القتل المتعمد من أجل المرافقة. وهذه احتمالات تتطلب أنواعًا مختلفة من الأدلة. وحين نفصل بينها يصبح النقاش أوضح، ونمنع العنوان الجذاب من أن يحمل يقينًا يفوق ما تسمح به الدراسة.
السلطة حين تمتد إلى الموت
إذا صح تفسير التضحية بالحاشية في بعض هذه الحالات، فإنه يفتح نافذة على علاقة معقدة بين السلطة والمعتقد. فقد تصبح خدمة الحاكم تصورًا يتجاوز الحياة الأرضية، ويمنح الموت معنى داخل النظام الاجتماعي. لكن فهم التصور الذي ربما أحاط بالممارسة لا يبرر قتل الإنسان، ولا يثبت أن الضحايا قبلوا مصيرهم.
لا نملك حق اختراع رضاهم، أو وصف مقاومتهم بالتفصيل. الأجدر أن نستعيد إنسانيتهم: كانوا أشخاصًا لهم خبرات وعلاقات وأعمال، وليست أجسادهم مجرد إضافات إلى سيرة ملك. ومن هذه الزاوية تتسع دراسة التاريخ، فتشمل كلفة السلطة على المحيطين بها، إلى جانب ما تركته من بناء وتنظيم وفن.
قراءة الماضي دون تعميم
ولا يجوز أن تتحول شواهد من مدافن محددة إلى حكم على الحضارة المصرية كلها. فالتاريخ الطويل يتضمن تغيرات، ولا تختصره واقعة أو ممارسة محتملة في مرحلة مبكرة. الاعتزاز بمصر القديمة لا يفرض إنكار الأدلة، كما أن قبول احتمال مؤلم لا يستدعي تصوير تاريخها كله في لون واحد.
الموقف العلمي أكثر صبرًا: يحدد المكان والزمن والعينة، ثم يناقش التفسير. وهذه الدقة تخدم المعرفة والهوية معًا؛ لأن علاقة المجتمع بماضيه تصبح أقوى حين تقوم على الفهم، لا على انتقاء ما يريحه فقط.
تدعونا جماجم أبيدوس إلى إعادة فحص المجموعات القديمة، ودعم التعاون بين علماء الآثار والمتخصصين في البقايا البشرية، وتحسين التوثيق والحفظ. وتدعونا كذلك إلى إعلام يشرح الفارق بين القرينة والحقيقة المحسومة. إن السؤال عن مصير هؤلاء الأشخاص يستحق البحث، لكن الإجابة ينبغي أن تنمو مع الأدلة. وبعد خمسة آلاف عام، يظل واجبنا تجاههم أن نصغي بعناية، وأن نروي ما نعرفه بصدق، ونترك لما لا نعرفه مساحة واضحة.
*المرجع العلمي:
Campbell, R. A. (2026). New data from old bones: Using bioarchaeology and forensics to reassess legacy data from ancient Abydos, Egypt. Frontiers in Environmental Archaeology, 5. الدراسة الأصلية




