حضارة وتاريخسلايدر

أبو سمبل يحتفي بالشمس… أكثر من 6 آلاف زائر و20 دقيقة تضيء ذاكرة الحضارة

الأشعة بدأت دخول المعبد الساعة 6:53 صباحًا… وعروض الصوت والضوء والفنون الشعبية ربطت احتفالات ليلة الأربعاء بدهشة صباح الخميس

 بقلم: د. قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

صباح استثنائي في جنوب مصر

شهدت مدينة أبو سمبل، صباح اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، تجدد ظاهرة تعامد الشمس داخل معبد الملك رمسيس الثاني، وسط حضور آلاف السائحين والزائرين، وفي أجواء احتفالية امتدت من مساء الأربعاء إلى صباح الخميس. وبدأت الأشعة دخول المعبد الساعة 6:53 صباحًا، وفق التغطية المنشورة في «المصري اليوم»، فيما أفاد تقرير «مصراوي» عقب الحدث بأن الظاهرة استمرت نحو 20 دقيقة، بحضور محافظ أسوان.

لم يكن الصباح مجرد موعد لالتقاط الصور؛ فقد جمع في مكان واحد تاريخًا عريقًا، وفنونًا شعبية حية، وحركة سياحية تترجم الاهتمام بالحضارة المصرية إلى سفر وانتظار ومشاهدة. وفي دقائق محدودة، استعاد المعبد قدرته على إثارة السؤال: كيف استطاع بناؤه أن يصلوا بين حركة الشمس وعمارة الصخر، وأن يتركوا للأجيال مشهدًا يحتفظ بدهشته عبر القرون؟

  أبواب فُتحت منذ الثانية صباحًا

بدأت رحلة المشاهدة قبل الشروق بساعات. ونقل «اليوم السابع» عن الدكتور أحمد مسعود، مدير آثار أبو سمبل، أن أبواب المعبد فُتحت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وأن الحضور بدأ بنحو 2000 زائر، ثم تجاوز 6000 سائح من جنسيات أجنبية مختلفة. وامتدت الطوابير أمام بوابات الدخول، بينما حرص السائحون اليابانيون على التواجد في الصفوف الأولى أمام قدس الأقداس.

والرقم الذي أعلنه مسؤول الموقع هو «أكثر من 6000»، وهي صيغة تعبر عن حجم الإقبال، دون أن تمثل تعدادًا نهائيًا بالأفراد. كما ينبغي التمييز بين حضور المنطقة الأثرية ومشاهدة التماثيل مباشرة من داخل الحجرة؛ فالمساحة محدودة والوقت قصير. ومع ذلك، يكشف هذا التوافد عن مكانة الحدث على أجندة السياحة الثقافية، وعن ارتباط الزائرين بتجربة يتجاوز معناها حدود الزيارة التقليدية.

  60 مترًا في رحلة الضوء

دخلت الأشعة عبر واجهة المعبد وممراته، لتقطع مسافة تقارب 60 مترًا نحو قدس الأقداس، حيث تماثيل رمسيس الثاني وآمون رع ورع حور آختي وبتاح. وتكمن خصوصية المشهد في وصول الإضاءة الشمسية إلى التماثيل الثلاثة الأولى، بينما يبقى بتاح بعيدًا عن الضوء المباشر، في علاقة معمارية تستدعي التأمل في وظيفة الضوء داخل المعبد.

وتخص الساعة 6:53، بحسب الخبر الميداني، بدء تسلل الأشعة إلى الداخل؛ لذلك ينبغي عدم مساواتها تلقائيًا بلحظة شروق قرص الشمس فوق الأفق. أما مدة المشهد، التي بلغت نحو 20 دقيقة وفق التغطية الصباحية، فتمنحه طابعه المكثف: انتظار طويل يعقبه حضور قصير للضوء، تبقى ذكراه بعد انقضائه. وتظل القياسات العلمية المباشرة المرجع لتحديد مراحل الإضاءة بدقة أكبر.

  ليلة الأربعاء… التاريخ على واجهة المعبد

سبقت التعامد احتفالات مساء الأربعاء 21 أكتوبر، حيث شهد محافظ أسوان عروض الصوت والضوء بمشاركة الأفواج السياحية والزائرين. واستحضرت العروض تاريخ المعبدين والملك رمسيس الثاني، من خلال السرد والمؤثرات الصوتية والإضاءة، لتمنح الجمهور فرصة للدخول إلى الحكاية قبل مشاهدة فصلها الشمسي في الصباح التالي.

وحملت هذه الليلة قيمة خاصة لتجربة الزائر؛ إذ جمع البرنامج بين مشاهدة الأثر في الإضاءة المسائية وانتظار الشمس عند الفجر. ومن شأن هذا التنوع أن يشجع على الإقامة والتعرف إلى المدينة، وأن يفتح المجال أمام برامج ثقافية أوسع. فالمكان يمتلك من القصص والتفاصيل ما يستحق وقتًا للقراءة والتأمل، إلى جانب لحظة المشاهدة التي تستأثر عادة بالعناوين والصور.

  سبع فرق تصل الليل بالصباح

وفي السوق السياحي بأبو سمبل، قدمت سبع فرق للفنون الشعبية عروضها ضمن احتفالات مهرجان أسوان للثقافة والفنون، وهي فرق أسوان وتوشكى وبورسعيد وسوهاج والشرقية ومطروح والوادي الجديد. وأتاحت هذه المشاركة للجمهور لقاء ألوان متعددة من التراث المصري، في احتفال تفاعل فيه الزائرون مع الموسيقى والاستعراضات الشعبية.

واستمرت الفنون في مصاحبة المناسبة صباح اليوم؛ إذ أورد تقرير «مصراوي» تقديم سبع فرق استعراضاتها بمشاركة السائحين خلال احتفالية التعامد. وهنا اكتسب الحدث بعدًا يتصل بالناس وحياتهم وثقافتهم، إلى جانب قيمته الأثرية. فالتراث الذي يستقبل الضيوف يشمل الحجر المنحوت، والمهارات والأغاني والفنون التي تتوارثها المجتمعات، وتعيد تقديمها بطريقتها الخاصة.

  خدمات وراء المشهد الاحتفالي

رافق الاحتفالات تنظيم لمسارات الدخول والخروج، وتجهيز بوابات التفتيش، وتوفير سيارات كهربائية لخدمة كبار السن وذوي الإعاقة، فضلًا عن أعمال الصيانة وتطوير الإضاءة الخارجية. وامتدت الاستعدادات إلى التأمين الطبي، مع انتشار فرق الرعاية بالقرب من المعبد ومنطقة السوق، لتقديم الخدمات عند الحاجة.

وتؤكد هذه الجهود أن استضافة مناسبة سياحية كبرى تحتاج إلى عمل متكامل، تتعاون فيه جهات الآثار والسياحة والثقافة والصحة والإدارة المحلية. وتبقى جودة التجربة مرتبطة بوضوح المعلومات، وسهولة الحركة، وحسن الاستقبال، وصون الموقع. ومن المفيد الاستفادة من ملاحظات الجمهور والعاملين لتطوير المواسم المقبلة، وتحسين فرص المشاهدة مع مراعاة قدرة المكان على استقبال الحشود.

  الدهشة التي يفسرها العلم

تقوم الظاهرة على توافق اتجاه محور المعبد مع موضع شروق الشمس المتغير خلال السنة. وقد نبه التقرير العلمي المنشور قبيل الحدث إلى أن الروايات التي تربط الموعدين بميلاد رمسيس الثاني وتتويجه لم تثبت بصورة تاريخية قاطعة. وتقديم هذه المعلومة للجمهور يجعل الدهشة مرتبطة بالمعرفة، ويساعد على بناء رواية سياحية موثوقة.

ويستحضر المشهد كذلك ملحمة إنقاذ المعبدين من مياه بحيرة ناصر، وإعادة افتتاحهما في الموقع الجديد يوم 22 سبتمبر 1968. فبقاء العلاقة بين المعبد والضوء يذكرنا بقيمة الخبرة والتعاون في حماية التراث. وفي هذا السياق، يفتح كتاب «تعامد الشمس على معبد أبو سمبل» مجالًا لمواصلة القراءة في تاريخ المكان ورموزه وقصة إنقاذه.

  بعد انقضاء دقائق الشمس

انتهى التعامد، وبقيت أمامنا فرصة لاستثمار الاهتمام الذي أثاره في تعميق المعرفة بمصر، ودعم الحرف والخدمات المحلية، وتشجيع زيارات أطول لأسوان والنوبة. فنجاح المناسبة يتسع كلما تركت أثرًا نافعًا في حياة الناس، وجعلت الزائر أكثر فهمًا للمكان وحرصًا عليه.

لقد جدد صباح اليوم حضور أبو سمبل في ذاكرة العالم. وبين الضوء الذي بلغ أعماق المعبد، والفنون التي صاحبت الاحتفال، قدمت مصر مشهدًا يجمع إبداع الأجداد وحيوية الحاضر؛ مشهدًا يستحق أن نرويه بدقة، وأن نحمي المكان الذي يجعله ممكنًا.

***

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights