تحقيقات و ملفاتسلايدر

جبل عُلبة وذهب خزانة الدولة.. السيادة الاقتصادية (1)

                                                                  تحقيق: رضا رفعت

  • ضياع المليارات في منطقة “فول باي” الاستراتيجية
  • عروق الذهب في “إيبايب” تنتظر قراراً سيادياً للاستخراج
  • مراكب السويس تدمر الشعاب المرجانية في أكبر عملية حرث ممنهج
  • نباتات واحة الضباب تحقق عائداً يتجاوز 600 بالمئة
  • جزيرة الزبرجد خزينة آثار غارقة وموطن الأحجار الكريمة النادرة
  • نزيف الوقود يلتهم حصة الصيد في رحلات الأربعمئة ميل
  • إلغاء الصيد الرياضي يحرم محمية عُلبة من العين الحارسة
  • سوق شلاتين الدولية قلب تجارة الإبل النابض في أفريقيا
  • خمسة آلاف فرصة عمل مُهدرة بين الرعي والتصنيع المفقود
  • لجنة وزارية عاجلة لبحث ملفات “الدليل نيوز” لإنقاذ المحمية

يقع جبل عُلبة على حدود مصر الجنوب شرقية، ويمتد كخزينة سيادية تفوق مساحتها دولاً كاملة، حاضناً في باطنه ثروات تعدينية ونباتية وبحرية هائلة. لكن خلف هذا الثراء، يواجه الاقتصاد المصري نزيفاً بيئياً في منطقة “فول باي” الاستراتيجية؛ حيث يستنزف الصيد التجاري الجائر وقود الدولة المدعم، ويدمر أصولاً بيئية بمليارات الدولارات مقابل عائد سمكي هزيل.

يفتح “الدليل نيوز” في هذا التحقيق ملف السيادة الاقتصادية المهدرة. نكشف بالأرقام كيف تتبدد 5 آلاف فرصة عمل وموارد دولارية ضخمة، ونضع أمام اللجنة الوزارية خارطة طريق لإنقاذ محمية جبل علبة واستعادة المليارات المفقودة.

خريطة تفصيلية لمحمية جبل علبة بمثلث حلايب وشلاتين توضح الثروات الطبيعية والحدود المصرية - الدليل نيوز
خريطة محمية جبل عُلبة بمثلث حلايب وشلاتين
الخبير الآثري الدكتور عبد الرحيم ريحان
الدكتور عبد الرحيم ريحان

هيدرولوجيا السيادة

تبلغ مساحة محمية جبل عُلبة 35600 كم مربع في مثلث حلايب الاستراتيجي (بين خطي عرض 22 و23.30 شمالاً)، وهي منطقة أُعلنت محمية طبيعية عام 1986 بقرار من رئيس مجلس الوزراء. ويُوثق الخبير الأثري الدكتور عبدالرحيم ريحان أن الموقع الجغرافي للمحمية جعلها نقطة “تداخل حيوي” فريدة، حيث تربط البيئة المدارية جنوباً بالمناخ المعتدل شمالاً؛ مما يمنحها قيمة جيوسياسية كأحد أهم الممرات البيئية في القارة الأفريقية التي تصل مناخ المحيط الهندي بالبحر المتوسط.

ويقسم التركيب الجيولوجي والطبوغرافي المنطقة إلى 4 بيئات متميزة (سباخات، سهل ساحلي، صحراوي، ومنحدرات جبلية)، حيث تعمل السلاسل الجبلية المواجهة للبحر الأحمر كـ”مكثفات طبيعية” للسحب؛ لتغذي 350 نوعاً نباتياً بكثافة عالية فوق القمم ومجاري الوديان. واقتصادياً، تعتمد هذه الثروة الخضراء على نظام ري مطري طبيعي يوفر استدامة كاملة للأرض بصفر تكلفة تشغيلية؛ مما يعزز من جدواها الاستثمارية كمورد اقتصادي ذاتي التجدد.

تتسم المحمية بتضاريس معقدة تصل ارتفاعاتها إلى 1912 متراً في قمة “جبل شنديب”، وتتحكم التراكيب الجيولوجية في وديانها الرئيسية كـ”وادي حوضين” و”وادي الدئيب” الذي يمتد لـ 100 كم عبر الحدود. وتمثل الجبال العالية “خط تقسيم المياه”، حيث تصب ممرات التصريف الشرقية الأكثر انحداراً مباشرة في البحر الأحمر. هذا النظام الهيدرولوجي، الذي يضم وديان (معرفاي، الرحبة، شعيب، ابب، عديب، وسرمتاي)، يمثل بنية تحتية مائية طبيعية تدعم الاستقرار السكاني والمشاريع التنموية الكبرى في عمق الصحراء بأقل تكلُفة اقتصادية ممكنة لنقل المياه الخارجية.

أرقام تتحدث.. تقديرات اقتصادية تكشف حجم الكنوز المعطلة في باطن محمية علبة
أرقام تتحدث.. تقديرات اقتصادية تكشف حجم الكنوز المعطلة في باطن محمية عُلبة

ذهب التاريخ

على الامتداد الجنوبي لـ”الدرع العربي النوبي”، تقبع منطقة جبل عُلبة كواحدة من أغنى الأحزمة المعدنية. وتكشف تقارير المسح الفني لهيئة الثروة المعدنية عن وجود عروق الكوارتز الحاملة للذهب بتركيزات اقتصادية مرتفعة في أودية “إيبايب” و”الأبرق”، فضلاً عن احتياطيات ضخمة من خامات الكروم، المنجنيز، والجرانيت الأسود النادر.

وتضع “خريطة المزايدات العالمية” مثلث (حلايب – شلاتين -عُلبة) ضمن النطاقات الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر؛ حيث تُقدّر الاحتياطيات الجيولوجية بمليارات الدولارات. هذا الثراء المعدني يفرض حتمية التحول من “تصدير الخام” أو “التنقيب العشوائي” إلى توطين صناعات تعدينية تحويلية، تضمن تعظيم القيمة المضافة وحماية الأصول السيادية للدولة.

تتصدر منطقة “أبرق” المواقع الأهم داخل المحمية عبر العصور المصرية القديمة والرومانية والإسلامية. ويُؤكد الدكتور ريحان شمولها لوديان (العرقة، عيقات، الجاهلية، الامريت، قمبيت، وأبو سعفة)، وتضم آثاراً تتنوع بين نقوش جدارية من عصور ما قبل التاريخ وآثار مصرية قديمة. ويبرز “وادي أبو سعفة” كمورد استراتيجي؛ إذ يحوي بوابة منحوتة في صخور الجبال تسمى “بوابة الماء”، تعود للعصور الفرعونية وتحمل نقوشاً تؤكد السيادة المصرية القديمة على منابع المياه. كما تضم المنطقة قلاعاً رومانية أعلى جبل أبرق والعرقة، بجانب ضريح الشيخ حميد؛ مما يمنح المنطقة مورداً سياحياً وثقافياً معطلاً ينتظر الاستثمار.

نقوش صخرية أثرية في وادي أبو سعفة جبل علبة توثق التاريخ الفرعوني والروماني في حلايب
نقوش أثرية على بوابة الماء بوادي أبو سعفة توثق التاريخ المصري في جبل عُلبة

الكنز الجيني

تحوي جبال عُلبة نحو 350 نوعاً نباتياً تُمثل 14% من المجموعة النباتية المصرية، وتختص المنطقة بـ 121 نوعاً حصرياً، تنمو على عناصر معدنية تمنحها خصائص علاجية وبيولوجية فريدة، وتنفرد بـ”شجرة الأنبط” الخشبية؛ مما يؤهل المنطقة لاستثمارات ضخمة في قطاع التكنولوجيا الحيوية وصناعة الدواء المستدام.

وتكشف دراسات مركز بحوث الصحراء، أن نباتات النظام البيئي المطري بـ”واحة الضباب” تمتلك خصائص كيميائية فريدة؛ حيث يُظهر التحليل الاقتصادي أن القيمة المضافة لهذه الثروات بعد استخلاص “الزيوت الوظيفية” ترفع عائد الفدان الواحد بنسبة تتجاوز 600%. ويضع هذا التحليل المنطقة كمرشح أول لإنشاء “منطقة اقتصادية حرة للنباتات الطبية” تخدم الأسواق الدولية، وتحمي حقوق الدولة ضد جرائم “النهب البيولوجي”.

كما تشكل “عُلبة” جنة خفية للتنوع البيولوجي يحتضنها نظام بيئي شديد التعقيد. ويوثق الباحث البيئي علي حامد وجود 23 نوعاً من الثدييات، يتصدرها “الكبش الأروي” و”النمر الأفريقي” المهددان بالانقراض، بجانب 173 نوعاً من الطيور التي تجعل من المحمية مركزاً عالمياً لمراقبة الحياة البرية.

ويبرز “نسر أذون” -سيد السماء ورمز القوة في معابد الفراعنة كأهم الأنواع الحصرية للمحمية؛ حيث يبلغ طول جناحيه 260 سم ويعشش فوق أشجار الأكاسيا، مشكلاً مع “التمير اللامع” و”الرخمة المصرية” لوحة فطرية نادرة.

نسر أذون أو العقابي النوبي
نسر أذون أو العقابي النوبي

وتؤكد بيانات الرصد البيئي أن عودة هذه الكائنات للظهور بكثافة بعد توقف أعمال الصيد تمنح المنطقة ميزة تنافسية عالمية لتدشين سياحة “السفاري البيئية” والتصوير الطبيعي، كمورد دولاري معطل ينتظر الاستغلال الرشيد.

نزيف المليارات

غابات المانجروف شواطئ ايرا دَبا جنوبي شلاتين
غابات المانجروف على شواطئ ” أيرا ديب” جنوبي شلاتين

تتمتع الحياة البحرية بمحمية عُلبة بطابع استثنائي يشمل جزر (السيال والزبرجد وحلايب)، وتؤكد البيانات العلمية وجود 123 نوعاً من الشعاب المرجانية، و2441 نوعاً من اللافقاريات، و5 أنواع من السلاحف المهددة بالانقراض. إلى جانب غابات “المانجروف” (الرمادي والأحمر) المنتشرة في عشرة مواقع.

وقد وثقت مشاهداتنا الميدانية جزيرتي “السيال والزبرجد”؛ حيث تكتسب الأخيرة ثقلاً استراتيجياً لكونها الموطن التاريخي لأجود أحجار الزبرجد عالمياً، والتي زُينت بها تيجان ملوك أوروبا.

هذا الإرث يحول الجزيرة من مجرد محمية صامتة إلى “خزينة آثار غارقة” ومنجم مفتوح للأحجار الكريمة؛ يؤهلها للطرح في مزايدة عالمية كأصل سيادي غير مستغل.

وعلى امتداد ساحل يتجاوز 250 كم، تُعد المحمية مخزناً استراتيجياً لأسماك التصدير الفاخرة (كالوقار والدنيس)؛ إذ يوثق جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية أن إنتاجية المركب التقليدي هنا تفوق شمال البحر الأحمر بنسبة 40%.

خريطة جبل علبة وحلايب وشلاتين توضح المسافات والطرق الجبلية الوعرة
خارطة الطريق.. 400 ميل من التحديات الجغرافية التي تعيق استغلال ثروات الجنوب

ومع ذلك، يصطدم هذا الثراء بافتقار مينائي “أبو رماد” و”شلاتين” لمصانع الثلج وسلاسل التبريد؛ مما يهدر 30% من عائد الصيادين لصالح الوسطاء، ويحرم خزينة الدولة من عوائد تصديرية ضخمة بالعملة الصعبة.

الدكتور خالد سعد
الدكتور خالد سعد

يضع الدكتور خالد سعد، مدير عام آثار ما قبل التاريخ، أمام صناع القرار معادلة رقمية تكشف “الاستحالة العملية” للوضع الراهن؛ إذ تبلغ المسافة من ميناء الأتكة بالسويس إلى “فول باي” نحو 400 ميل بحري (750 كم)، ما يتطلب 50 ساعة إبحار متواصل ذهاباً، واستنزاف 4 أيام في الرحلة الواحدة مع حرق أطنان من الوقود. ويتساءل سعد: “كيف تعبر هذه المراكب فوق أغنى مناطق الشعاب (الغردقة، الجونة، سهل حشيش، مرسى علم وحماطة) دون صيد؟”، مؤكداً أن الواقع يرصد عملية “حرث” ممنهج- بالمخالفة لقانون المحميات- لتدمير الأصول البيئية في مسارها.

ويكشف سعد عن “كارثة تشريعية” تمنح تراخيص للصيد التجاري داخل نطاق محمية طبيعية، محذراً من تبديد أصل استثماري يدر ملايين الدولارات من سياحة الغطس مقابل عائد سمكي زهيد؛ متسائلاً: “هل يعقل المخاطرة بقطاع السياحة من أجل حصة سمكية لا تتعدى 2% من إنتاج مصر؟”.

تحقيق جبل علبة - إنفوجرافيك المقارنة الاقتصادية وفارق المليارات.. السياحة البيئية مقابل نزيف الصيد
تحقيق جبل عُلبة –  المقارنة الاقتصادية وفارق المليارات.. السياحة البيئية مقابل نزيف الصيد

ويشدد سعد على أن “السمكة في الماء تساوي أضعاف قيمتها في السوق”، موضحاً أن منع الصيد الرياضي المنضبط أدى لغياب “العين الحارسة” وإخلاء البحر من الشريك الأول في الحماية. ويخلص إلى أن حماية “عُلبة” ليست رفاهية، بل قراراً اقتصادياً لإنقاذ أصل سياحي دولي من الاستنزاف مقابل حصة سمكية بخسة.

التصنيع القبلي

يقيم في المحمية ثلاث قبائل (البشارية، العبابدة، والرشايدة). يوضح الدكتور ريحان أن حرفهم تمتد من الرعي والتفحيم إلى الصناعات الحرفية التراثية والمنسوجات. وتُعد شلاتين البوابة اللوجستية الأهم لتجارة الإبل في أفريقيا؛ إذ تستقبل سوقها الدولية آلاف الرؤوس شهرياً بحجم تداول يتجاوز مئات الملايين من الجنيهات.

إلا أن التحقيق يرصد هدراً ضخماً في القيمة المضافة؛ فبدلاً من استغلال “الجلود والأوبار” في صناعات تحويلية فاخرة أو تصدير “اللحوم المذبوحة”، يتم التداول كسلع حية فقط. إن إنشاء مجزر آلي ووحدات تبريد كفيل بتوفير 5000 فرصة عمل مباشرة، وتحويل المنطقة لمركز إقليمي لتصدير اللحوم المصنعة.

ورغم هذا الثراء، يرصد ريحان تهديدات تُبدد هذه الأصول؛ تتقدمها “عمليات النزع” عبر التحجير والمناجم غير المنظمة، والحصاد الجائر للنباتات الطبية والحيوانات البرية النادرة.

تجمع للإبل مع رجال من قبائل جنوب البحر الأحمر في منطقة شلاتين
تحقيق جبل عُلبة.. تجارة ورعي الإبل تشكل العصب الاقتصادي لأبناء مثلث (حلايب وشلاتين)

ويؤكد التحقيق أن غياب الإدارة الاقتصادية المباشرة يسبب نزيفاً يحرم الدولة من مليارات الدولارات؛ مما يفرض ضرورة تدخل “هيئة تنمية سيادية” لتنظيم استخراج المعادن وحماية “الكنز الجيني” لفلورا عُلبة النادرة.

فاتورة الدمار في جبل عُلبة

كشفت القضية رقم 235 جنايات الشلاتين عن تورط 27 مسؤولاً بشركات تعدين في تدمير جيولوجيا محمية (عُلبة). الاتهامات شملت استخدام السيانيد والزئبق المحظورين والتنقيب بدون تصريح، فيما قدّر جهاز شؤون البيئة حجم الأضرار بنحو 6 ملايين و38 ألف دولار.

   

قرار حكومي لإنقاذ ثروات المحمية

الدكتور صلاح الدين مصيلحي
الدكتور صلاح الدين مصيلحي

رداً على أسئلة الدليل نيوز، كشف الدكتور صلاح الدين مصيلحي رئيس جهاز حماية البحيرات عن صدور قرار من رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة عليا تضم الأجهزة المعنية لدراسة الملفات التي طرحها التحقيق ووضع توصيات عاجلة؛ لحل تضارب القرارات في المثلث الاستراتيجي، وهو ما يمثل استجابة رسمية لمطالب حماية الأصول المهدرة.

مذكرة حلول أمام اللجنة الوزارية

تتطلب حماية أصول “عُلبة” الوقف الفوري لتراخيص الصيد التجاري في “فول باي” لإنقاذ الشعاب المرجانية، واستبدالها بـ”الصيد الرياضي المنضبط” كرقيب بيئي ومورد دولاري مستدام؛ وقفاً لنزيف الوقود في رحلات تقطع 750 كم ذهاباً من أجل حصة سمكية لا تتجاوز 2% من الإنتاج القومي.

وفي المحور التعديني، تبرز ضرورة “التعدين الأخضر” بقطاع “أبرق” لاستخراج الذهب بعيداً عن “بوابة الماء” الأثرية، مع توظيف “مصائد السحب” في توطين صناعات التنقية وتوفير كلفة نقل المياه، بما يضمن استدامة المورد المنجمي دون المساس بالهوية التاريخية للمنطقة.

أما اقتصادياً، فإن تدشين “مركز دولي للتكنولوجيا الحيوية” بشلاتين يحمي “الكنز الجيني” للنباتات الطبية من النهب البيولوجي، ويرفع قيمتها المضافة بنسبة 600% عبر التصنيع الدوائي. ويتكامل ذلك مع إنشاء مجزر آلي ووحدات تبريد لتعظيم عائد تجارة الإبل والأسماك، وتوفير 5000 فرصة عمل تدمج قبائل المنطقة كشركاء في التصنيع اللوجستي.

بين نزيف الذهب بـ(السيانيد والزئبق) وضياع مليارات السياحة البيئية المهدرة، يظل مثلث (جبل عُلبة) شاهداً على ثروات مصرية تنتظر الإنقاذ. التحرك العاجل لوقف غزو مراكب الجر للشعاب المرجانية، وتقنين أوضاع التعدين بما يحفظ الكنز الجيني للنباتات النادرة، ليس مجرد مطلب بيئي، بل ضرورة اقتصادية وأمنية لفرض السيادة الكاملة على أغلى حبة رمل في جنوب مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights