مررتُ على بيت الأعداء!

كان الصباح متخبطًا، حائرًا بين القيظ والنسيم، وأنا – كأي مواطن عاديّ – أمامي موعد عليّ تلبيته، اتأمل الشوارع وأنا أتعجب من هذا الاختراع الساحر الذي سهّل على البشر مشقة السفر إلى الحيّ القريب أو البعيد، والذي صار تعداده ضعف تعداد السكان.
ومررتُ على بيت الأعداء، محل دراستي القديم. تتفجر في أعماقي مشاعر بغض وقلق عظيمين، كأني للتو أخطو إلى هذا الوكر لأول مرة كي أخوض عالمًا جديدًا لا صلة له بعالمي القديم، وكي أتفاعل – أتعذب – مع أناس جدد لا صلة بينهم وبين من علمتُ وجهلتُ.
حشدٌ من الشباب الحارّ اللامع، كلهم متشابهون، أنظر إلى هذا الشاب وذاك بقصة شعره المكررة وأراهما واحدًا وأتساءل؛ ألم يمر أمامي ثلاثة مرات منذ دخولي البوابة؟!
لم أبكِ أطلال فترة من عمري استهلكت مني الباقي من آمالي وشبابي، لم أتذكر الضحكات ولا السمر واللغو من الحديث، بل تنشق أمامي من المناظر ومضات متفاوتة الأزمنة لآلام وصدمات تتحرك هنا وهناك تعلن بهلع أمام أي غريب باللاشك والحذر.
أخشى أن يظهر الأعداء في أية لحظة من جوف أي بناء رغم يقيني أن أغلبهم مثلي قد تخرج وتاه في أودية الدنيا.
بعد تلك الديباجة التأملية يكفي أن أقول لك أني شحنت بطاقة كافية للتحفز والبغضاء لكل شيء.
يُلغى الموعد وأعود أدراجي غير آسف إلى السيارة، وأجد أن حظي العاثر قد أوقعني في مشكلة تضخم تعداد السيارات. كان أحدهم قد ترك سيارته خلف سيارتي ساكنة هانئة وذهب إلى شأنه الخاص.
أقول لنفسي ربما هو في الجوار لأنه ما من عاقل يترك الناس في مأزق كهذا ويرحل مرتاح البال! أدق بوق السيارة مرارًا وينظر الناس نحوي للحظة ويعودون إلى الحوارات التافهة.
أقول ربما ترك ورقة للتواصل فلا أعتقد أنه اشترى بقعة الأرض تلك أو أني سرقت رقعته التي يفضل ركن سيارته فيها، لا ورقة على السيارة.
أحاول الخروج، يشتعل الغيظ فيّ، أتخيله شابًا أهوج غير مكترث بالناس تكاسل عن السير بضع خطوات أضافية فترك لي سيارته تنكيلًا بي ربما. أتخيله عاد ولم يعتذر، أصيح فيه ويتبجح، يسبني ونتشاجر، كي يأخذ اللقطة أمام فتاته – كنت متأثرًا بلا وعي بتريند الرجل الذي ضربه أصدقاء وعائلة العريس لأخذ اللقطة أمام زوجه العروس.
أجدني وحيدًا، لم يهتم أحدٌ إلا رجل كهل من عصر مضى، يتعجب ويحاول بأضعف الإيمان.
وأتعجب بدوري عما جرى للناس، يبدو أن الشاب قد ذهب إلى محاضراته وسأبقى حبيسًا طيلة النهار. تأتي معجزة صغيرة وصاحبة السيارة التي على يساري تتأهب إلى الرحيل، يساعدني الرجل الكهل في الخروج من الحيز الضيق ويمضي بعدها إلى شأنه.
أشعر أني غريب بين أغراب، والدماء تغلي في عروقي، أقترب من سيارة الغائب، أريد خدشها كي يتعلم احترام الغير، ولكن انتهى الأمر أني كسرت مصباح سيارته!
هنا أنبته البعض أخيرًا أن خطبًا ما قد وقع وحاول أحدهم مساعدتي زعمًا منه أني لم أقصد الأذى، بل قصدت.
شعرت برعب عجيب يحتلني وحالة من القرف كأني قتلت شخصًا وتركت جثته للناس تتصرف فيها.
تركت جثة المصباح وغادرتُ حديقة الحيوان – الإنسان تلك وغادرت ونصل من الذنب الحاد يدميني.
كيف هبطت إلى مستوى الدونية هذا؟ لم أدرِ أن بداخلي تلك القدرة على إلحاق الدمار للغير، لما تضطرني الأحداث بل الناس إلى فعل ما فعلت؟
أشعر بعشرات الأصابع تشير نحوي تتهمني بقلة الأدب والصياعة.
هل نحن في حرب باردة، على كل أحد أن يخزن أفكاره كي يربح ويهزم الآخر؟
حين هدأت فورة دمائي تخيلت كم الشتائم التي سيلقيها الشاب على أثري، بل تخيلته شابًا خجولًا عليه الإسراع إلى اختبار ما ولم يجد بُدًا إلا ترك السيارة ولم يجد وقتًا كي يدون ورقة اعتذار عليها رقمه، وأراه يدعو الله ألا أحضر قبل حضوره.
بل تخيلته أبن ذي منصب مهم يتوعدني ويأتي الشواهد والثوابت وها أنا انقاد إلى القسم كي أحاسب على شطحتي.
لما كسرت المصباح؟ يبدو لي أنه انتقام غريزي أججته غرائز البشر الأخرى، أو أني ربما انتقم من هذا الشاب كي يعاقبه أبوه على استهاره، ثم بدا لي أني انتقم من الشباب كلهم لأني لا انتمي إليهم ولا إلى فراغ بالهم المثقل بأعباء الحياة المادية، ويبدو لي أخيرًا أني انتقم من المجتمع كله وإلى الانحضار الأخلاقي الذي وصل إليه، الكل يهتف نفسي نفسي ولم تقم الساعة بعد!
بدا لي بيت الأعداء ساحة تجريبية للعالم الحقيقي والبشر الموجودين، أنه يريد أن يعلمني ويحسن في تعليمي. بيت الأعداء يتسع من أقصى الصعيد إلى أطراف السواحل، في شبابه، في مواطنيه الذين يتحفزون لإفراغ كربهم في أية مشكلة، في هذا العلم المحيط بالجهل، في هذا الاستهتار الذي يبعث الغرائز والأحقاد من مرقدها.
يبدو لي أن الوطن كله بيت الأعداء والبشر كلهم هم الأعداء فمن ذا يصمد؟ وإذا كان شباب المستقبل بهذا التعميم والتجريد أن أول صورة تخيلتها لصاحب السيارة هي صورة الشاب ذي الوشم والشعر اللامع الملون، والأخلاق المتبجحة؟ ماذا عن باقي الأجيال الناشئة؟
وأي الطرفين نمضي في أغواله ما دامت الحال كما هي الآن؟ أنلتزم بأخلاقنا ومبادئنا رغم شذوذ الأخلاق ليرى الناس أننا ننشد السلامة؟ أم نسلم أمرنا إلى غرائزنا ونلبي طلب الانتقام ردًا للإساءة واعتبارًا لكرامتنا التي يبدو أنها ستهدر كثيرًا.
زياد تامر




