
يوم أمس، وتيار الحياة يتدفق نحو مصب الأزل، والدنيا تبدو وكأنها عادية لا لَبَس فيها وواضحة كل الوضوح، الوضع مستقر لا ينبئ عن مأساة، حيزك ودائرتك المحيطة بك كلاهما بخير، نظر إلى الأصيل أمامك، الشمس تنحدر لأسفل كأنها ستفارقنا للأبد، تشعر بمدى صدق وصف المتنبي لغروب الشمس كأنها دماء أريقت على صفحة السماء وقد سفكها الظلام. تغرب الشمس، ينتهي اليوم.
يبدو لي ذلك المدخل افتتاحية جيدة لعمل فني، ولكني هكذا أراه في كل يوم تقع فيه حادثة أودت بروح بريئة. فروح الإنسان غالية، وأية حادثة راحت فيها ضحية هي جريمة كونية يبتأس لها الكون ويأسف ولكنه يمضي مهما كان الأمر مؤسفًا.
هكذا صحوت ووجدت حادثة جديدة تفجرت على مواقع السوشيال ميديا كأصداء للرأي العام.
فتاة في عمر الزهور، تكافح لأجل القوت والعيش، يقال أنها عروسٌ على أهبة الزواج، تقطعها سيارة يقودها أولاد في عمر البراعم لم تزهر بعد.
حادثة كأية جريمة، ولكن كل حادثة هي جريمة متفردة لن تتكرر ولو تكررت.
تلك القضية التي لن أتوغل في تفاصيلها فالكل يمكنه معرفتها في غضون دقائق بالأدلة والشهود والآراء المنشورة، تلك القضية الجرم فيه بيّن والحكم فيها مسبوق لا رادّ له.
لن تجد -إلا نادرًا- رأيًا ينحاز ضد بائعة القهوة وينصر الأولاد.
وتلك قضية -رغم ما بها من ألم ومهزلة نحيا فيها- خير مثال لوصف الحال الذي وصلنا إليه. فهناك عدة نقاط مهمة تحدد وضعية الفئات الإجتماعية وسلوكيات المراهقين وأخلافهم ونمط الخطأ عندهم ومفهومه، وبين رد فعل الجمهور الذي يؤثر في قضايا ويظل أصداءًا في أخرى.
أولًا، تلك جريمة طبقية قبل أن تكون جريمة قتل أو حادثة سيارة.
الجانية هنا هي -كما قيل- فتاة لم تبلغ الخامسة عشرة بعد وفتى هو صديقها وأبو الفتى المذكور.
وبادٍ أنهما من الطبقة المرفهة التي أحيانًا ينحاز لها القانون مشفقًا في أغلب الأحيان.
سيارة مباحة، أموال متاحة، عيشة مرفهة، لا مفهوم لديهم أو معنى عن الكدح وتكبد المشاق لحياة – ليست بالكريمة، مدارس تهتم بكل شيء إلا القومية والأخلاق وتحديد الحدود والبيئة المحيطة بكلي الجنسين. وآهال يعتقد بعضهم أنهم على دارية بأولادهم وآخرون يحيون لأجل الربح وإرضاء ضميرهم بإعطائه للأبناء.
والضحية؛ فتاة كادحة، بسيطة الأحلام والدراسة، تنهي عملها كي تنام وتعيد الكرّة.
هذه هي دولتنا الآن؛ تتمثلها تلك الطبقتين وواضح أية واحدة تجني على الأخرى.
يتعجب الناس من بلادة المراهقين وبرودتهم ومن هيئتهم وثيابهم! وكيف أن الفتى أخذ السيارة دون رخصة أو حتى بطاقة وترك للفتاة القيادة بسرعة جنونية.
هذين المراهقين هما أوضح صورة تمثل نشأة الجيلين الحاليين؛ Gen-Z&Gen-Alpha.
كل شيء متاح ومباح، والرفاهية التي تقتل الفكر والشعور بالمسؤولية وأن كل شيء له حل إما بالمال أو بالإتصال بالأهل لتدارك الموقف. حين ماتت الفتاة يبدو أن حسّ الخطر لديهم تعطل أو تدارك عقلهم الموقف من الهلع لائذًا بمنظور أنها مشكلة ستحل كما باقي المشاكل، فمثل تلك المشكلة -الواقعية- لم تحدث لهم من قبل على أرض الواقع.
لذلك بدى لي أن الفتاة حين ضحكت أمام الكاميرا وتصرفت ببلادة كان ذلك ردًّا دفاعيًا لها حين وجدت نفسها أمام أفواج من الغرباء الغلاظ الأشدّاء لا يرفقون بها ولا يترأفون لتدارك الغلطة فلجأت إلى تلك الآلية للدفاع وهي إنكار خطورة الوضع برمته.
أما الشاب، فأبسط وأشمل مثال للفكرة المجردة عن الشباب؛ الهيئة، عدم الشعور بالمسؤولية، عدم تقدير حجم الكارثة التي قد يأتي بها ومدى تأثيرها لمن حوله، مصاحبة الفتيات، القيادة بسرعة جنونية.
كل من عرفتهم من الشباب يعشقون تدفق الأدرينالين وهم يقودون السيارة بسرعة متهور كأنهم جربوا كل شيء ولم يبقَ سوى الأدرينالين للنشوة! أو كأن الشباب باقٍ والموت بعيد ناءٍ والقدر رحيم!
ثيمة تعلموها من بيئتهم وأقرانهم فنحن في عصر السرعة فلما نستثني السيارة؟
شباب من معارف زملائي ماتوا إثر حوادث وقعتْ لعين السبب؛ تدفق الأدرينالين (القيادة بسرعة جنونية) في فترات متفاوتة متقاربة.
وذاك التبلد في الحسّ، مع السبب الذي قدمته ربما هو من الجهل التام بالقيم الإنسانية المعروفة والبديهية، فمثلًا أنا لا أتكبد عناء المشقة في سؤال أحدهم عن مدى معرفتهم بالفنون والآداب وأعلامها، فأنا أدري أجاباتهم، ولو سألتهم عن شريعة أو سمة أخلاقية لوجدوك متخلفًا من قوم بائدين! بينما لو سألتهم عن (توليت، ويجز، عصام صاصا) لأسهبوا في ذكر أعمالهم المفضلة لديهم.
فأنظر هنا لمثلهم وهواياتهم وما ينفقون الوقت في الإطلاع عليه وشربه في عمر سهل التأثر، فالأعمال الرائدة كأغاني الراب -لبعض المغنيين- والأفلام والمسلسلات معظمها يدور في فلك السرعة، موضوع الأغاني وكذلك أبطال الشاشة من الشباب والكبار، والمؤثرين في السوشايال ميديا، كلهم تطبعوا على نفس الصورة، لا مجال للروح هنا ولا لأصالة الشعور ورقيّ السمات الإنسانية.
كما لفت انتباهي أن الشاب هنا كأي شابٍ في عمره؛ صوته عالٍ، ذكرٌ يحمي أليفته، ربما قام بدور الشهم الذي سيتحمل وزر الحادثة لوحده ولا يعلم بعد مدى نتيجة تضحيته المتهورة.
ربما نظن أنهما على دارية بما فعلاه وما يفعلاه عادة وإن لم يدركا بعد مدى تأثيره لاحقًا، فهاك الآن مستقبل مدمر وسمعة بشعة ستطاردهما أينما ذهبوا حين يخرجان من محنتهما.
يقول البعض أن عمر البلوغ هو اكتمال العقل ووجوب محاسبة الفرد، ولكن نحن في زمن كلما توالدت الأجيال تأخر عمر النضج في الأذهان قبل الأفعال، فكلما زادت الرفاهية أو تأثير الميديا تأخر السعيّ نحو هذا النضج.
والأهالي لها دورٌ في ذلك بشكل قاطع، فبعضهم لا وقت لديهم للتربية، قد تجد بعض الأمهات من السعة أن توظف مربية أجنبية كي تتولى رعاية الأولاد، أو يجد أن التربية الحديثة -السطحية- والتطبع هما ثيمة العصر ولا داعي لحجم الشاب -مثلًا- عن السيارة طالما سيأخذها خلسة، أما التربية والدين وأحكام الخُلُق فكثير منهم لا يكترث بتعليمها.
وهكذا نجد مثال الأب المتورط في الحادثة لإعطائه السيارة لإبنه دون رخصة.
نحن في فجوة عميقة المدى بين جيلٍ سابق صار معظم أفراده آباء ومسؤولين وبين جيلين على أهبة العمل وتكوين الأسر، فجوة أخلاقية وحسّية وإنسانية ربما أغرقتنا في الدرك الأسفل.
وأخيرًا، أصداء الجمهور، الرأي العام يؤثر تأثيرًا فعالا في مجريات القضايا، ولكن نحن في عصر الإنحياز فيه لفئة عن فئة.
ربما انتصر الرأي العام في قضايا مثل التحرش أو التعدي أو القتل -للطبقة غير تلك المرفهة- ولكن في بعض القضايا الشائكة لا يتم الإلتفات إلى الرأي العام بأجمله، كما موضوع المستشفى في الإسكندرية حديثًا، وكما يحدث لأبناء الفنانين والأعلام -والفنانين أنفسهم- فلا نجد أبناءهم خيرًا من جلّ أبناء جيلهم ورغم ذلك يحظون برأفة ورحمة لا يحظى بها من هم في مثل موقفهم من الأفراد العاديين.
يتساءل الناس عن جدوى التربية في زماننا هذا، وهل نترك أولادنا هكذا ليجابهوا المجتمع؟ وإذا فعلنا ذلك هل يسلمون من الجرائم؟ وهل التربية -إذا لزمت- ملزمة على طبقة دون طبقة؟
وهل القانون والعقاب وَقْفٌ على طبقة دون طبقة؟
زياد تامر




