منوعاتسلايدر

المدرجات التي تستدعي التاريخ

(كيف تتحول الذاكرة الوطنية إلى قوة وإرادة)

بقلم/ د. قاسم زكي، عضو اتحاد كتاب مصر، واتحاد الآثاريين المصريين، والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

لم تكن مباراة إنجلترا والنرويج في دور الثمانية من كأس العالم 2026 مجرد تسعين دقيقة إضافية في سجل كرة القدم؛ فقد تحولت مدرجات استاد هارد روك في ميامي إلى مسرح كبير للذاكرة والتاريخ والهوية الوطنية. داخل الملعب تنافس اللاعبون على بطاقة التأهل، وخارجه تنافست جماعتان بشريتان في استدعاء ماضيهما، وتحويله إلى أغنيات وحركات ورموز تمنح الحاضر حرارةً ومعنى.

انتهت المباراة بفوز إنجلترا بهدفين مقابل هدف، بعد أن أحرز جود بيلينجهام هدف التعادل ثم هدف الانتصار في الوقت الإضافي، لتتأهل إنجلترا إلى الدور نصف النهائي للمرة الأولى منذ عام 2018. وكانت النرويج قد بلغت في هذه البطولة أول دور ربع نهائي في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم.

لكن المشهد الذي بقي في الذاكرة لم يكن النتيجة وحدها، بل كان صوت الجماهير الإنجليزية الذي جعل الاستاد يهتز، وصورة المشجعين النرويجيين وهم يجلسون في صفوف متتابعة ويحركون أذرعهم كأنهم يجدفون في سفينة من سفن الفايكنج.

التاريخ ينزل من الكتب إلى المدرجات

عادةً ما نتصور التاريخ صفحات قديمة، أو تواريخ محفوظة، أو آثارًا صامتة داخل المتاحف. غير أن الشعوب الحية لا تترك تاريخها حبيس الكتب؛ بل تعيد إنتاجه في الأغنية والملابس والرموز والاحتفالات والمناسبات الرياضية.

وهذا ما فعله النرويجيون في احتفالهم الذي عُرف باسم «تجديف الفايكنج». جلس المشجعون واللاعبون في صفوف، وحركوا أجسادهم وأذرعهم بصورة جماعية تحاكي حركة البحارة داخل السفن القديمة. وقد انتقلت هذه الظاهرة من ملاعب البطولة إلى شوارع المدن والبرلمان النرويجي ومؤسسات مختلفة، ثم ظهرت بقوة على شاطئ ميامي قبل لقاء إنجلترا. وارتبط انتشارها بالمشجع النرويجي أولي فرويستاد، الذي اشتهر بلقب «السيد رو رو». وقد لا يكون هذا الأداء إعادة تاريخية دقيقة لكل تفاصيل حياة الفايكنج، لكنه يكشف عن حقيقة أهم: أن الإنسان المعاصر ما زال يبحث في تاريخ أجداده عن صورة للقوة والشجاعة والمغامرة والقدرة على عبور البحار ومواجهة المجهول.

فالنرويجي الذي يعيش اليوم في دولة حديثة متقدمة لا يريد العودة إلى حروب الفايكنج، لكنه يستعير منهم صفات الإقدام والتماسك والجرأة. ومن هنا يصبح التاريخ خزانًا نفسيًا ورمزيًا، تستخرج منه الشعوب ما يدعمها في لحظات التنافس والتحدي.

«الأسود الثلاثة» وصوت الذاكرة الإنجليزية

في الجانب الآخر، كانت الجماهير الإنجليزية تستدعي تاريخها بطريقتها الخاصة. فمنتخب إنجلترا يحمل لقب «الأسود الثلاثة» نسبة إلى الشعار التاريخي الموجود على قميصه، وهو رمز تجاوز حدود الرياضة ليصبح جزءًا من الهوية الكروية الإنجليزية.

ومع كل انتصار كبير، تعود أغنية Three Lions إلى المدرجات، ويعلو المقطع الشهير: “It’s coming home”؛ أي إن كرة القدم أو الكأس «تعود إلى موطنها». ظهرت الأغنية قبل بطولة أوروبا عام 1996 التي استضافتها إنجلترا، وشارك في كتابتها ديفيد باديل وفرانك سكينر، بينما لحنها إيان برودي. وهي تجمع بين السخرية من إخفاقات الماضي، والحنين إلى الفوز بكأس العالم عام 1966، والإيمان بأن المجد قد يعود مرة أخرى.

ولهذا لا يغني الإنجليز كلمات انتصار سهل أو ثقة متعالية فقط؛ بل يغنون عن تاريخ طويل من الأمل والخيبة والانتظار. إنهم يستحضرون نجاح عام 1966، لكنهم يتذكرون أيضًا عقودًا من الإخفاق. وهنا تكمن قوة الأغنية: فهي لا تنكر الجراح، بل تحولها إلى طاقة للاستمرار.

لقد أصبح النشيد الشعبي أكثر قدرة على جمع الناس من كثير من الخطب الرسمية. فحين يردد عشرات الآلاف الكلمات نفسها، تختفي الفروق بين الأعمار والمهن والطبقات والمدن. يصبح الجميع صوتًا واحدًا، وذاكرة واحدة، وحلمًا واحدًا.

الثقافة قوة نفسية لا تقل عن التدريب

يحتاج اللاعب إلى اللياقة والمهارة والخطة، لكنه يحتاج أيضًا إلى إحساس بأنه يمثل شيئًا أكبر من نفسه. القميص الوطني ليس قطعة قماش، والعلم ليس مجرد ألوان، والنشيد ليس لحنًا عابرًا. إنها كلها وسائل تربط الفرد بالجماعة، والحاضر بالماضي، والجهد الشخصي بآمال الملايين.

عندما يسمع اللاعب جماهير بلاده تناديه وتهتف برموز وطنه، يشعر بأنه ليس وحيدًا في المواجهة. وتنتقل إليه طاقة الجمهور، كما ينتقل أداؤه إلى المدرجات. وهكذا تنشأ دائرة من التأثير المتبادل: الجمهور يرفع معنويات اللاعبين، واللاعبون يعيدون للجمهور الشعور بالفخر.

ومن الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها نوعًا من الترف أو التعصب الرياضي وحده. فالثقافة المشتركة تبني الثقة بين أفراد المجتمع، وتخلق لغة رمزية يستطيع الملايين فهمها في اللحظة نفسها. وقد شهدت ميامي قبل المباراة تجمع نحو ثلاثين ألف مشجع إنجليزي، إلى جانب حضور نرويجي لافت، فتحولت المدينة إلى مساحة للتعبير عن الانتماء الوطني والثقافة الشعبية، لا إلى مجرد مكان لإقامة مباراة.

كرة القدم مرآة للشعوب

تكشف البطولات الكبرى ما تخزنه الأمم في ذاكرتها. فالبرازيليون يستحضرون موسيقاهم ورقصاتهم، والأرجنتينيون يرفعون صور أبطالهم، واليابانيون يقدمون نموذجًا في النظام واحترام المكان، والأفارقة يحملون الإيقاعات والألوان والطبول، والعرب يرفعون أعلامهم ويرددون الأهازيج الموروثة.

وهكذا تتحول كرة القدم إلى معرض عالمي للثقافات. لا تدخل الشعوب الملعب بأحد عشر لاعبًا فقط، بل تدخل بتاريخها ولغتها وموسيقاها وصورها عن نفسها.

وقد رأينا في مواجهة إنجلترا والنرويج نموذجين واضحين: الإنجليز يغنون للأمل الذي قاوم «سنوات الألم»، والنرويجيون يجدفون بأذرعهم نحو مجد جديد، مستلهمين بحارة الشمال القدماء. انتهت المباراة بانتصار فريق، لكن الطرفين نجحا في تقديم صورتهما الثقافية إلى العالم.

ماذا نتعلم نحن؟

لدينا في مصر والعالم العربي مخزون حضاري هائل، لكنه لا يتحول دائمًا إلى قوة حية في وعي الأجيال الجديدة. نمتلك تاريخًا من الصمود والعمل والعلم والفنون والمقاومة الشعبية، إلا أن تقديمه يظل أحيانًا محصورًا في المناهج الجافة أو الاحتفالات الرسمية.

نحتاج إلى إعادة التاريخ إلى الحياة: في الأغنية والفيلم والمسرح والرياضة والفنون الرقمية والقصص الموجهة للأطفال. نحتاج إلى أهازيج وطنية حديثة تنطلق من جذورنا، وإلى رموز يتعرف إليها الشباب ويشعرون بأنها تمثلهم، لا أن تكون مجرد أسماء وتواريخ يرددونها في الامتحانات ثم ينسونها.

إن مصر التي بنت حضارتها حول النيل، وحمت أرضها عبر العصور، وقدمت الفلاح والعامل والجندي والعالم والأديب، تملك آلاف القصص القادرة على صناعة الثقة والإرادة. لكن التاريخ لا يؤدي هذا الدور تلقائيًا؛ بل يجب أن يُروى بأسلوب جذاب، وأن يُربط بمشكلات الحاضر وطموحات المستقبل.

ولا ينبغي أن يتحول الاعتزاز بالتاريخ إلى تعالٍ على الآخرين أو إلى تعصب قومي. فالفارق كبير بين وطنية تبني الإنسان، وشوفينية تحتقر الشعوب. الاعتزاز الصحي بالتاريخ يقول: لدينا ما نفخر به، وعلينا أن نقدم ما يستحقه المستقبل. أما الاعتزاز الزائف فيكتفي بالتغني بالأمجاد القديمة دون عمل جديد.

الشعوب التي تعرف قصتها تعرف طريقها

إن الجماهير التي هزت استاد ميامي لم تكن تغني لكرة قدم فقط؛ بل كانت تؤكد وجودها، وتروي قصتها، وتستحضر أبطالها ورموزها وذكرياتها. وكان «تجديف الفايكنج» رسالة تقول إن النرويجيين ما زالوا يحملون روح المغامرة، بينما قالت أهازيج «الأسود الثلاثة» إن الإنجليز، رغم عقود الانتظار، لم يفقدوا الأمل في استعادة المجد.

وهنا يتجلى الدرس الأكبر: الشعوب التي تعرف تاريخها لا تعيش أسيرة له، بل تستخدمه وقودًا للحاضر. والثقافة ليست زينة تضاف إلى حياة الأمم بعد اكتمال البناء، وإنما هي من الأسس التي تُبنى بها الثقة والانتماء والإرادة.

لقد فازت إنجلترا بالمباراة، لكن التاريخ والثقافة كانا حاضرين في صفوف الفريقين. وربما كانت تلك هي أجمل صور كرة القدم: أن تصبح الكرة مناسبةً تستيقظ فيها ذاكرة الشعوب، وتتجدد بها الروح الوطنية، ويشعر الإنسان بأنه حلقة في قصة بدأت قبل مولده، وسوف تستمر بعد رحيله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights