بقلم: د. قاسم زكي
عضو اتحاد الأثريين المصريين – عضو اتحاد كتاب مصر
ليست كل سرقة تبدأ بكسر باب، ولا كل جريمة تأتي في صورة اقتحام ليلي أو حفر خلسة تحت جنح الظلام. فبعض أخطر الجرائم تبدأ بكلمة ناعمة، وبوصف مخادع، وبعبارة تبدو بريئة وهي في حقيقتها رأس الحربة في معركة طمس الأصل، وتزييف الهوية، وتهريب الذاكرة. هنا لا تُسمى القطعة الأثرية قطعة أثرية، بل تصبح فجأة “تحفة قديمة”، أو “قطعة ديكور”، أو “مقتنى تراثي”، أو “هدية عائلية”، أو “غرضًا زخرفيًّا” انتقل من بيت إلى بيت، ومن بلد إلى بلد، حتى يضيع في الطريق سؤاله الأخطر: من أين خرج؟ ولمن كان؟ وتحت أي قانون؟
هذه هي لغة التهريب الناعمة
لغة لا تحمل السلاح، لكنها تمهد للطريق أمام الجريمة. لا تكسر الزجاج، لكنها تكسر المعنى. ولا تسرق الحجر وحده، بل تسرق اسمه، ومكانه، وسياقه، وحقيقته. وهي في عالم تهريب الآثار أخطر من كثير من وسائل الإخفاء المادي؛ لأن التهريب الحديث لم يعد يعتمد فقط على الحفر غير المشروع أو التهريب عبر الحدود، بل صار يعتمد كذلك على إعادة تسمية الجريمة حتى تبدو وكأنها نشاط عادي، أو تجارة مشروعة، أو تصرف اجتماعي مألوف.
من هنا تبدأ الحكاية.

حين تتحول الآثار إلى “ديكور” في كثير من الحالات، لا تُعرض القطعة الأثرية في وصفها الحقيقي. لا يقال: “تمثال أثري مصري خرج من سياقه التاريخي”، بل يقال: “قطعة ديكور فرعوني”، أو “عنصر زخرفي بطابع شرقي”، أو “تحفة قديمة تصلح للعرض المنزلي”. بهذه اللغة الملساء، تُنتزع القطعة من عالم التاريخ وتُلقى في عالم الأثاث.
وهنا تقع الجريمة الأولى في مستوى اللغة:
فالأثر ليس “ديكورًا”. الأثر وثيقة. والأثر شاهد. والأثر جزء من بنية حضارية متكاملة، يفقد كثيرًا من قيمته العلمية إذا اقتُلع من موضعه، أو جُرّد من سجل اكتشافه، أو عُزل عن طبقته الأثرية، أو زُيّف تاريخه في أوراق الشحن والعرض والتسويق.
لكن لغة السوق لا تحب هذه التعقيدات. السوق تريد كلمات قصيرة، ناعمة، جذابة، لا تثير سؤال الملكية ولا سؤال المشروعية. ولهذا يصبح التمثال “قطعة فنية”، ويصبح التابوت “صندوقًا زخرفيًّا”، وتصبح الشواهد الجنائزية “ألواحًا للعرض”، وتتحول الرموز المقدسة إلى لمسات جمالية في قاعات الفنادق والقصور وصالات المزادات.
وحين يحدث ذلك، فإننا لا نكون أمام مجرد انحراف لغوي، بل أمام غسل لغوي للأثر، شبيه بغسل الأموال، لكن عبر الكلمات لا عبر الحسابات. وذلك وفقاً لما نشر عبر منظمة اليونسكو للثقافة والتراث.
“هدايا”… الكلمة التي تخفي ما لا يقال
ومن أكثر الألفاظ خطورة في هذا الباب كلمة “هدايا”. فكم من قطعة خرجت من مصر أو من غيرها من البلدان المنهوبة تحت ستار أنها “هدية”، أو “إهداء خاص”، أو “مقتنى عائلي انتقل بالمجاملة”، أو “تذكار قديم”، أو “منقول من مجموعة خاصة”.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا: من الذي يملك أصلًا أن يهدي أثرًا؟ وهل يجوز قانونًا وأخلاقًا أن تتحول قطعة تمثل جزءًا من ذاكرة شعب إلى “هدية” شخصية؟
إن كلمة “هدية” هنا لا تؤدي وظيفة بريئة. إنها في كثير من الأحيان تؤدي وظيفة تطهيرية، تخفف من وقع الفعل، وتمنحه مسحة إنسانية وعاطفية. فالهدية ترتبط في الوجدان بالمودة، لا بالجريمة. وبالكرم، لا بالسلب. وبالعلاقات الاجتماعية، لا بالنهب المنظم. ولهذا كانت هذه الكلمة من أكثر الكلمات قدرة على تخدير الحس العام وإبعاد الأنظار عن السؤال القانوني والأخلاقي.
والأخطر أن بعض هذه “الهدايا” لا تكون فردية فقط، بل قد تكون بابًا واسعًا لتدوير القطع، وتبديل أوصافها، ونقلها من يد إلى يد، حتى تصل في النهاية إلى تاجر محترف أو مزاد دولي أو مجموعة خاصة، بعد أن تكون قد مرت بعدة محطات تمويهية تجعل إثبات أصلها أكثر صعوبة.
اللغة بوصفها شريكًا في الجريمة
التهريب لا يتم بالصناديق فقط، بل بالمصطلحات كذلك. فهناك كلمات تُستخدم لتخفيف الجريمة، وأخرى لإرباك المتابع، وثالثة لمنح الانطباع بأن كل شيء يسير في إطار قانوني طبيعي.
يقال مثلًا: “قطعة من طراز مصري”. “مستوحاة من الحضارة المصرية”. “من مجموعة أوروبية قديمة”. “اقتناء خاص منذ عقود”. “قطعة ذات أصل شرقي غير محدد”.
هذه الصياغات لا تكون كلها كاذبة بالضرورة، لكنها كثيرًا ما تُستخدم بوصفها منطقة ضبابية تسمح بإخفاء الحقيقة الأساسية: هل خرجت هذه القطعة على نحو مشروع؟ وهل توجد وثائق موثوقة لملكية قانونية متصلة وواضحة؟ وهل نعرف تاريخ خروجها الحقيقي، أم أننا أمام سلسلة من العبارات المصممة خصيصًا لدفن السؤال؟
وهكذا تتحول اللغة إلى شريك كامل في الجريمة.
فكما يحتاج المهرب إلى من يخفي القطعة، فهو يحتاج أيضًا إلى من يخفي معناها. وكما يحتاج إلى ناقل، يحتاج إلى واصف. وكما يحتاج إلى مخزن سري، يحتاج إلى وصف علني مضلل.
من سرق الاسم سرق نصف الحقيقة؛ حين يُسحب من الأثر اسمه الحقيقي، يُسحب منه جزء جوهري من حقيقته. فالقطعة التي كانت شاهدًا على عقيدة أو طقس أو وظيفة جنائزية أو سياق معماري، تصبح في السوق “شكلًا جميلًا”. والتمثال الذي كان جزءًا من منظومة رمزية أو سياسية أو دينية يصبح “قطعة مناسبة للعرض”. واللوحة أو الشاهد أو التمثال النصفي الذي كان يحمل ذاكرة إنسان أو ملوك أو كهنة أو موظفين، يتحول إلى “عنصر فني”.
وهنا ندرك أن السرقة ليست مادية فقط. لقد سُرق الاسم، ثم سُرق السياق، ثم سُرقت الحكاية. ولهذا فإن معركة حماية الآثار ليست معركة حدود وجمارك وشرطة فقط، بل هي أيضًا معركة وعي ومصطلح وتوصيف. فمن الخطأ أن نستهين بالكلمات التي تُستخدم في عرض القطع أو تسويقها أو الدفاع عنها. لأن بعض هذه الكلمات ليس مجرد وصف، بل أداة إنكار.
من البيت الخاص إلى السوق العالمية
كثير من قصص الآثار المنهوبة تبدأ بداية “هادئة”. قطعة محفوظة في منزل. تمثال صغير على رف. لوحة حجرية في مكتب. رأس أثرية في قاعة استقبال. يتعامل معها المحيطون كأنها شيء معتاد. ثم بعد سنوات، تُباع، أو تُورّث، أو تُهدى، أو تُنقل إلى الخارج، أو تظهر في مزاد، فيبدأ الجدل بعد أن يكون الطريق قد طال.
هنا تلعب اللغة دورًا بالغ الأهمية.
فحين تقبل المجتمعات، أو بعض الفئات، أن توصف الآثار بأنها “زينة” أو “مقتنيات منزلية” أو “هواية جمع”، فإنها تفتح الباب دون أن تدري لتطبيع وجود ما لا ينبغي أن يوجد أصلًا خارج إطاره القانوني والعلمي.
وفي هذه اللحظة، لا يعود التهريب فعلًا معزولًا، بل يصبح جزءًا من ثقافة تتسامح مع الجريمة حين ترتدي ثوب الذوق، أو الوجاهة، أو الهدية، أو الذكرى، أو “القطعة الجميلة”.
المشكلة ليست في الحجر فقط… بل في الوعي
إن أخطر ما في “لغة التهريب الناعمة” أنها لا تسرق القطعة وحدها، بل تحاول أن تسرق حساسية المجتمع تجاه السرقة نفسها. تجعل الناس أقل انتباهًا، وأقل غضبًا، وأقل طرحًا للأسئلة. فما دام الشيء يبدو جميلاً، ومصقولًا، ومعروضًا في مكان أنيق، ومقدمًا بلغة مهذبة، فإن الجريمة تتراجع في الوجدان إلى الصف الثاني.
لكن الحقيقة لا تتغير.
الأثر الذي خرج بغير حق لا يصبح مشروعًا لأنه وُضع في صالون فاخر. والقطعة التي اقتُلعت من سياقها لا تصبح “هدية” لأن أحدهم قدّمها بابتسامة. والنهب لا يفقد صفته لأنه كُتب في بطاقة العرض بلغة رقيقة.
ولهذا يجب أن يكون الوعي العام أكثر صرامة مع اللغة، لا مع الوقائع فقط. يجب أن نسأل دائمًا: ما اسم هذه القطعة حقًا؟ ومن أين جاءت؟ وكيف خرجت؟ وبأي صفة تُعرض؟ ومن الذي منح نفسه حق تحويل التراث إلى ملكية خاصة أو هدية اجتماعية أو ديكور منزلي؟
الكلمات ليست بريئة في ملف تهريب الآثار، الكلمات ليست دائمًا بريئة. وبعض المصطلحات قد تكون جزءًا من الجريمة، لا مجرد شرح لها. ولعل من واجبنا الثقافي والإعلامي والقانوني أن نكشف هذا القناع اللغوي، وأن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة. ولمزيد من مقالات الرأي والتحليلات يمكنكم متابعة “الدليل نيوز”.
فالقطعة الأثرية ليست ديكورًا.
وليست تذكارًا عابرًا. وليست هدية مجاملة. إنها جزء من هوية، ومن ذاكرة، ومن حق عام لا يجوز تجزئته أو تزيينه أو تهريبه تحت مسميات ناعمة. وهنا بالضبط تبدأ المعركة الحقيقية: أن نسترد اللغة قبل أن نسترد الحجر. وأن نفضح التسمية قبل أن نلاحق الشحنة. وأن نفهم أن بعض اللصوص لا يحملون معاول فقط، بل يحملون أيضًا قاموسًا كاملًا من الكلمات المخدّرة.
وفي تهريب الآثار، كثيرًا ما تكون الكلمة الأولى في الجريمة… أهدأ من أن تُسمع، وأخطر من أن تُهمل.




