
د.قاسم زكي، عضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
لم يعد ملف استرداد الآثار المنهوبة أو الخارجة من أوطانها الأصلية مجرد مطلب عاطفي ترفعه الشعوب في مواجهة المتاحف الكبرى، بل أصبح قضية قانونية وأخلاقية وسيادية تتقدم يومًا بعد يوم إلى قلب النقاش الثقافي العالمي. وفي هذا السياق، جاء القانون الفرنسي الجديد، المعروف إعلاميًا باسم قانون ماكرون لاسترداد الممتلكات الثقافية المنهوبة، ليعيد فتح باب واسع أمام الدول التي فقدت جزءًا من تراثها خلال فترات الاحتلال أو النفوذ الاستعماري أو الفوضى السياسية أو الاتجار غير المشروع.
والسؤال الذي يفرض نفسه مصريًا هو: هل يمكن أن تستفيد مصر من هذا التحول الفرنسي الجديد في إعادة فتح ملف آثارها الموجودة في فرنسا، وفي مقدمتها زودياك دندرة المحفوظ في متحف اللوفر؟ وهل يمكن أن يكون ما حدث مؤخرًا في دمشق، من عرض آلاف القطع الأثرية المستردة، نموذجًا عربيًا يضيء الطريق أمام استراتيجية مصرية أكثر فاعلية لاسترداد الآثار؟
قانون فرنسي جديد… وتغير في فلسفة المتاحف
القانون الفرنسي الجديد يهدف إلى تسهيل إعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت أو خرجت في سياقات استعمارية أو غير عادلة، وذلك عبر آلية قانونية أكثر مرونة من السابق. فبدلًا من الحاجة إلى إصدار قانون خاص لكل قطعة يراد إخراجها من الملك العام الفرنسي، يتيح القانون للحكومة الفرنسية، في حالات معينة، اتخاذ قرار بإخراج الممتلك الثقافي من الملك العام تمهيدًا لإعادته، وفق ضوابط محددة. وقد أوضحت تقارير صحفية فرنسية وعربية أن القانون جاء استجابة لنقاش طويل حول التراث المنقول من مستعمرات سابقة أو من بلدان تعرضت لنهب ممتلكاتها الثقافية.)
ومن الناحية المصرية، لا ينبغي التعامل مع القانون باعتباره وعدًا مباشرًا بعودة الآثار المصرية غدًا، ولا يجوز أيضًا التقليل من أهميته. فمصر لم تكن مستعمرة فرنسية بالمعنى التقليدي الذي يستهدفه جزء كبير من فلسفة القانون، لكن آثارًا مصرية مهمة خرجت إلى فرنسا في ظروف تاريخية وقانونية وأخلاقية تستحق المراجعة. لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا القانون تكمن في أنه يهزّ مبدأ قديمًا كانت تتمسك به المتاحف الأوروبية، وهو أن ما دخل إلى مجموعاتها منذ زمن بعيد أصبح غير قابل للنقاش أو العودة.
القانون هنا لا يفتح الباب وحده، لكنه يخلق مناخًا جديدًا. إنه يقول بوضوح إن بقاء القطعة الأثرية في متحف أوروبي لا يكفي لتبرير استمرارها هناك إلى الأبد، وإن العدالة الثقافية قد تقتضي أحيانًا مراجعة تاريخ الخروج، وظروف الاقتناء، وحق الشعوب الأصلية في استعادة جزء من ذاكرتها.
زودياك دندرة… السماء المصرية في قلب اللوفر
إذا كان هناك أثر مصري في فرنسا يمكن أن يتحول إلى اختبار حقيقي لهذا القانون، فهو بلا شك زودياك دندرة. فهذا الأثر ليس مجرد لوحة فلكية جميلة، بل هو جزء معماري من سقف معبد حتحور بدندرة، أي أنه كان ملتحمًا بسياقه المعماري والديني والفلكي في صعيد مصر. وتذكر صفحة متحف اللوفر الخاصة بالقطعة أن الزودياك استُخرج من معبد دندرة في أبريل ومايو 1821، وغادر الإسكندرية في يوليو من العام نفسه، ووصل إلى باريس في يناير 1822، ثم اشتراه الملك لويس الثامن عشر في أبريل 1822.
هذه التفاصيل مهمة للغاية، لأنها تضع زودياك دندرة داخل الفترة التاريخية التي تعود فيها أوروبا اليوم لمراجعة كثير من عمليات اقتناء التراث. كما أن طبيعة القطعة تزيد من قوة المطلب المصري؛ فهي ليست تمثالًا منفردًا أو قطعة صغيرة يمكن القول إنها انتقلت كتحفة قابلة للتداول، بل جزء من سقف معبد، أي من نص معماري وروحي وفلكي لا تكتمل دلالته إلا في موضعه الأصلي.
ومن هنا، فإن المطالبة بعودة زودياك دندرة لا ينبغي أن تُطرح بوصفها رغبة وجدانية فحسب، بل بوصفها قضية علمية وأخلاقية: هل يجوز أن يظل جزء من سقف معبد مصري خارج مصر؟ وهل يكفي وجود نسخة بديلة في المعبد لتعويض الأصل؟ وهل يمكن اعتبار التصرفات التي تمت في القرن التاسع عشر، في ظل اختلال موازين القوة والمعرفة والإدارة، أساسًا نهائيًا لحيازة لا تقبل المراجعة؟
دمشق تستعيد آثارها… درس عربي مهم
في الوقت نفسه، جاء خبر دمشق ليمنح هذا النقاش بعدًا عربيًا راهنًا. فقد نظمت دمشق في مايو 2026 معرضًا بعنوان “سوريا تستعيد آثارها” في المتحف الوطني، عرضت فيه آلاف القطع الأثرية التي جرى استردادها بعد سنوات من النهب والتهريب خلال الحرب. ووفقًا للتقارير المنشورة، فإن عملية الاسترداد لم تكن عملًا عشوائيًا، بل تمت عبر تنسيق بين جهات حكومية متعددة، وبالتواصل مع الإنتربول والجهات الدولية المختصة، إلى جانب مبادرات طوعية من مواطنين أعادوا قطعًا أثرية كانوا يحتفظون بها أو نجحوا في حمايتها خلال سنوات الفوضى.
أهمية التجربة السورية لا تكمن فقط في عدد القطع المستردة، بل في الرسالة التي تحملها: أن الاسترداد يبدأ من الداخل قبل الخارج. يبدأ من الحصر، والتوثيق، والوعي الشعبي، والتعاون بين مؤسسات الدولة، وتقديم القضية للرأي العام بوصفها قضية ذاكرة وطنية، لا مجرد ملف إداري بين وزارة ومتحف.
لقد تعرضت سوريا، مثل العراق وليبيا واليمن، لموجات قاسية من النهب الأثري خلال الحروب والاضطرابات. ومع ذلك، فإن إقامة معرض عام للقطع المستردة يحمل معنى رمزيًا مهمًا: الدولة لا تستعيد حجرًا فقط، بل تستعيد سرديتها، وتقول لمواطنيها وللعالم إن ما سُرق يمكن أن يعود، وإن ما نُهب لا يسقط بالتقادم الأخلاقي.
وهنا تبرز المقارنة المفيدة لمصر. فالمعركة المصرية تختلف في تفاصيلها عن الحالة السورية؛ لأن جزءًا كبيرًا من الآثار المصرية الكبرى الموجودة في أوروبا خرج في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لا خلال حرب حديثة فقط. لكن جوهر الدرس واحد: لا استرداد بلا ملف، ولا ملف بلا توثيق، ولا توثيق بلا مؤسسة، ولا مؤسسة بلا إرادة سياسية وثقافية مستمرة.
من دمشق إلى القاهرة: ماذا نتعلم؟
خبر دمشق يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في ملف استرداد الآثار المصرية من زاويتين متكاملتين. الأولى هي الآثار التي خرجت حديثًا بطرق غير مشروعة، وهذه يمكن تتبعها عبر الإنتربول، وسجلات المزادات، وشركات الشحن، وقواعد بيانات القطع المسروقة. والثانية هي الآثار الكبرى الموجودة في المتاحف العالمية منذ عقود طويلة، مثل زودياك دندرة في اللوفر، وحجر رشيد في المتحف البريطاني، ورأس نفرتيتي في برلين.
القسم الأول يحتاج إلى جهد أمني وقانوني مباشر، وقد حققت مصر فيه نجاحات عديدة خلال السنوات الأخيرة باسترداد قطع من الولايات المتحدة وأوروبا ودول عربية. أما القسم الثاني فيحتاج إلى مرافعة مختلفة: مرافعة تاريخية وأخلاقية وقانونية، تقوم على إثبات أن بقاء القطعة خارج سياقها الأصلي يمثل استمرارًا لظلم ثقافي، حتى لو مر عليه زمن طويل.
وتجربة دمشق تقول لنا إن العرض العام للقطع المستردة مهم جدًا. فحين تُعرض الآثار العائدة أمام الجمهور، لا يعود الاسترداد خبرًا دبلوماسيًا جافًا، بل يتحول إلى وعي شعبي. ولعل مصر تحتاج إلى معرض دائم أو دوري بعنوان مثل: “آثار عادت إلى الوطن”، يعرض ما تم استرداده، ويشرح كيف خرج، وكيف عاد، ومن ساهم في عودته. مثل هذا المعرض سيحول المواطن من متفرج إلى شريك في حماية التراث.
لا تكفي المطالب العامة
من أخطاء التعامل مع ملف استرداد الآثار أحيانًا أننا نرفع شعارات عامة: نريد عودة آثار مصر. هذا الشعار صحيح، لكنه لا يكفي. المطلوب هو الانتقال إلى سياسة ملف القطعة. أي أن يكون لكل أثر كبير ملف مستقل، يضم تاريخ الخروج، والوثائق، والصور، والمراسلات، وسياق الاكتشاف، وظروف النقل، والحجج القانونية، والرؤية الأخلاقية، وخطة تفاوض واضحة.
فملف زودياك دندرة يختلف عن ملف حجر رشيد. زودياك دندرة جزء معماري من معبد أُزيل من سقفه عام 1821، أما حجر رشيد فخرج في سياق عسكري وسياسي مرتبط بالحملة الفرنسية ثم انتقاله إلى البريطانيين بعد اتفاقات الإسكندرية. أما رأس نفرتيتي فله ملف آخر يتعلق بالتنقيب الألماني وتقسيم المكتشفات والجدل حول طريقة توصيف القطعة وقت خروجها. لذلك لا يجوز خلط الملفات، بل يجب إعداد كل قضية بما يناسبها.
وهنا يمكن أن يكون قانون ماكرون فرصة خاصة لملف زودياك دندرة تحديدًا، لأنه موجود في فرنسا، ولأن خروجه موثق، ولأنه جزء معماري من معبد، ولأن المناخ القانوني الفرنسي أصبح أكثر استعدادًا لمناقشة قضايا إعادة الممتلكات الثقافية.
بين القانون والأخلاق
القانون مهم، لكنه لا يعمل وحده. كثير من الآثار لا تعود لأن الدولة صاحبة الحق لم تُعد ملفًا قويًا، أو لأنها لم تستثمر الرأي العام العالمي، أو لأنها تركت المتاحف الأجنبية تحتكر رواية “الحفظ والعرض العالمي”. لذلك فإن معركة الاسترداد الحديثة تحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول قانوني، يراجع التشريعات والاتفاقيات والسوابق القضائية. والمسار الثاني دبلوماسي، يبني تفاوضًا طويل النفس مع الدول والمتاحف. والمسار الثالث ثقافي وإعلامي، يخاطب الرأي العام العالمي بلغة العدالة لا بلغة الاتهام فقط.
فالعالم اليوم أكثر حساسية تجاه قضايا الذاكرة، والنهب، والاستعمار، والهوية. والمتاحف الكبرى لم تعد قادرة على تجاهل السؤال الأخلاقي: من يملك حق عرض تراث الشعوب؟ وهل المتحف العالمي فوق ذاكرة أصحاب الحضارة؟ وهل الحيازة الطويلة تعني ملكية عادلة؟
فرصة مصرية لا ينبغي إضاعتها
إن قانون ماكرون لا يعني أن فرنسا ستعيد زودياك دندرة بمجرد أن تطلبه مصر، ولا يعني أن كل آثار مصر في فرنسا أصبحت قابلة للعودة فورًا. لكنه يعني أن الباب لم يعد مغلقًا كما كان. ويعني أن فرنسا نفسها بدأت تعترف بأن بعض الممتلكات الثقافية الموجودة في متاحفها تحتاج إلى مراجعة، وأن مبدأ “عدم قابلية التصرف” في مقتنيات المتاحف لم يعد حصنًا مطلقًا.
أما خبر دمشق فيقول لنا إن الاسترداد ممكن، لكنه يحتاج إلى دولة تتحرك، ومؤسسات تتعاون، وملفات تُعد، ومواطنين يدركون أن الأثر ليس قطعة صامتة، بل جزء من تاريخهم وهويتهم.
ومن هنا، فإن أفضل رد مصري على هذه التطورات هو تشكيل فريق وطني متخصص يضم قانونيين، وأثريين، ومؤرخين، ودبلوماسيين، وخبراء في المتاحف والإعلام الثقافي، لإعداد ملفات الآثار المصرية الكبرى في الخارج، وفي مقدمتها زودياك دندرة. ولا بد أن تكون البداية بملف فرنسي قوي، لأن القانون الجديد صدر في فرنسا، ولأن اللوفر يحتفظ بواحدة من أكثر القطع المصرية رمزية.
عودة الأثر عودة للمعنى
استرداد الآثار ليس مجرد نقل قطعة من قاعة عرض في باريس أو لندن أو برلين إلى قاعة عرض في القاهرة أو الأقصر أو دندرة. إنه استرداد للمعنى. فالقطعة الأثرية حين تُنتزع من سياقها تفقد جزءًا من روحها، وحين تعود إلى أرضها تستعيد علاقتها بالمكان والناس والذاكرة.
لقد فتح قانون ماكرون نافذة قانونية وأخلاقية جديدة، وقدمت دمشق درسًا عربيًا حيًا في أن الآثار المنهوبة يمكن أن تعود إذا توفرت الإرادة والتوثيق والتعاون المؤسسي. وبين النافذة الفرنسية والدرس السوري، تقف مصر أمام فرصة مهمة: أن تحول مطالب الاسترداد من شعارات متفرقة إلى استراتيجية وطنية شاملة.
إن زودياك دندرة ليس حجرًا فلكيًا في متحف اللوفر فقط، بل صفحة من سماء مصر القديمة. وحجر رشيد ليس مجرد نقش بثلاث لغات، بل مفتاح قراءة حضارة كاملة. ورأس نفرتيتي ليس تمثالًا جميلًا فحسب، بل وجه ملكة مصرية خرج من سياقه التاريخي. هذه القطع لا تطلب العودة لأنها “مصرية” فقط، بل لأنها لا تكتمل إلا بمصر.
ومن هنا، فإن معركة استرداد الآثار المصرية ليست معركة ضد المتاحف العالمية، بل معركة من أجل عدالة الذاكرة. وما بين باريس ودمشق والقاهرة، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الشعوب تقبل أن تبقى حضارتها معروضة بعيدًا عنها إلى الأبد، بينما تكتفي هي بزيارة صورها في كتالوجات المتاحف الأجنبية.




