ميناء الطور القديم مجمع حضارى للتعايش على أرض الفيروز
كتب د. عبد الرحيم ريحان
تعد سيناء كلها ملتقى للأديان والحضارات والتعايش الحضارى الآمن على أرض الفيروز وفى عيد التحرير نرصد نموذجًا من حياة البحّارة بمنطقة تل الكيلانى بطور سيناء التل المسجل كأرض أثرية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1150لسنة 1996 بمساحة 500م طول، 200م عرض وأطلق عليه هذا الاسم لوجود جامع الكيلانى القديم الذى بنى فى عهد محمد توفيق باشا خديوى مصر (1297- 1310هـ / 1879 إلى 1892م) وأنشئ بجواره جامع الكيلانى الحديث عام 1987
الطور وتجار البندقية
كانت الطور فى العصر المملوكى محور التجارة العالمية ولذلك اهتم بها سلاطين المماليك اهتماماً شديداً فأسسوا فيها المبانى لموظفى الجمارك والأماكن لإسكان الحامية وكانت متاجر المحيط الهندى وجنوب بلاد العرب تخزّن فى موانئ البحر الأحمر العربية ثم تنقل بالمراكب إلى ميناء الطور لتحملها القوافل إلى القطر المصرى بحذاء الجانب الأيمن لخليج السويس.
وكانت المتاجر بعد وصولها ميناء الطور تسلك عدة طرق برية أو بحرية إلى جهات مختلفة بعضها للشام وبعضها لمصر ، فهناك طريق برى شرق خليج السويس يصل لوادى العريش لينتهى عند العريش ومنها إلى غزة ومن غزة تتجه السفن إما للشام برًا أو أوروبا بحرًا
وقد زادت الاحتكارات التجارية لبعض السلع فى عهد دولة المماليك الجراكسة الذى اتجه سلاطينها لاحتكار السلع الهامة التى تهتم بها أوروبا مثل البهار والمواد الخام اللازمة للنسيج كالقطن والكتان والمواد الغذائية كالحبوب والسكر واللحوم
كانت البندقية (فينيسيا) فى مقدمة المدن الإيطالية التى أقامت علاقات تجارية مع مصر والشام ولقد أعطى السلطان المملوكى الأشرف صلاح الدين خليل (689 – 693هـ /1290 – 1293م ) أمان عام (691هـ / 1291م) يسمى (أمان شريف) يمنح التجار البنادقة حرية المتاجرة فى مصر والشام والتردد على الثغور الإسلامية آمنين مطمئنين
واستخدم ميناء الطور فى العصر المملوكى طريقاً لرحلة الحجاج المسيحيين منذ (القرن الثامن الهجرى / الرابع عشر الميلادى) وكانت السفن تبحر من موانئ إيطاليا، جنوة أو البندقية (فينيسيا) إلى الإسكندرية ثم تتوجه بالنيل إلى القاهرة ، وبعد أن يحصلوا على عهد الأمان أو الفرمان من سلطان المماليك يقيم المسيحيون فترة فى استراحة للحجاج بالقاهرة حيث يتم إعطاء أطعمة للفقراء المتوجهين إلى سانت كاترين، ويعود المسيحيون إلى أوروبا عن طريق الإسكندرية على سفن البندقية التى تنتظر التجارة المصدرة إلى الإسكندرية من الشرق
مباخر وصلبان
عملت البعثة اليابانية برئاسة الدكتور مؤتسو كاواتوكو منذ عام 1986 وحتى 1994 بمنطقة تل الكيلانى تحت إشراف منطقة آثار جنوب سيناء لـ الآثار الإسلامية والقبطية وكشفت عن فرن كبير لإنتاج جير سريع ولقى أثرية من القرن الرابع عشر حتى التاسع عشر الميلادى وتشمل مسارج فخار وأجزاء من فناجيل من العصر العثمانى تقليدًا للصينى الأزرق والأبيض وسلطانيات الخزف الصينى الأبيض والأزرق من (القرن التاسع الهجرى) وأخرى من (نهاية القرن العاشر الهجرى لمنتصف القرن الحادى عشر الهجرى) وشبك عثمانى “بايب” حيث انتشرت عادة التدخين فى مصر فى عهد محمد على فى المنازل والمقاهى والمحال التجارية والشوارع وبين كل الطوائف خصوصًا طوائف الحرفيين، علاوة على صلبان من الصدف وقطع خشبية لقرب المنطقة من دير القديس جاورجيوس ومباخر مملوكية وشملت تجارة المماليك البخور الذى يرد من أسواق الشرق الأقصى وفارس وبلاد ما بين النهرين
كما عثر على مجموعة عملات متنوعة منها دينار ذهب ضرب فى عهد الظاهر جقمق (842- 857هـ / 1438 – 1453م) وعملة ذهبية ضربت فى فينيسيا بواسطة رئيس جمهورية فينيسيا 1789م وعملات برونزية ضربت فى قسطنطينة عام 1876م وعملة برونزية ضربت فى مصر عام 1277هـ وعملات ضربت فى عهد عباس حلمى الثانى وعهد السلطان حسين كامل سلطان مصر
المسلمون والمسيحيون بالميناء
عثر على وثائق بميناء الطور القديم ذات الصلة بأنشطة الميناء منها تصاريح مغادرة الميناء أو بناء السفن وتصديقات وشهادات خاصة بالمحجر الصحى وبطاقات شخصية وإيصالات رسمية وتعداد سكان وإحصاء لكل قبيلة وسجلات مبيعات ومراسلات شخصية كلها كتبت ما بين 1890 – 1960م ووثائق خاصة بافتتاح قناة السويس 1869م ووثائق خاصة باختيار طريق السويس – جدة كطريق الحج الرسمى لمكة المكرمة مستعيدين أيام ازدهار الطور
ووثائق خاصة بعائلة موسى راضى وكانت لهم مراكب تعمل بالميناء من أسمائها إسكندرية ، مرزوقة، زمزم ، تم صناعنها بالطور بواسطة المعلم أبو عاشور وكانت مخصصة لنقل البضائع وتجارة السمك المملح وكانت تبحر إلى السودان واليمن ولم يكن هناك حواجز بين الدول، وكان لعائلة موسى راضى أرض بالسعودية
عاشت الأسر المسلمة والأسر المسيحية اليونانية بالطور حياة آمنة وتعايش سلمى والتعاون فى العمل البحرى بالسفن ونقل البضائع إلى دير سانت كاترين، وكان بالطور مكان كبير لتصليح المراكب يطلق عليه (قزق) وكانت هناك مراكب شراعية كبيرة بالطور حمولة 80 طن يملكها مسيحيين مثل عنصرة أبو ينى، ديمترى عنصرة وأخوه أنطون، إستراتى مركاكى وأخوه بنيوتى، موسى جورجى، وبراميلى وأطلق عليهم هذا الاسم لأنهم كانوا تجار براميل فى السودان وأصلهم من اليونان
كان بعض أفراد الأسر المسيحية وكلاء للقناصل الأجنبية، عنصرة كان وكيلًا للقنصلية الروسية وحنين براميلى وكيلًا للقنصلية الأرمينية وكانت القنصليات فى بيوت الكيلانى القديمة، وكان خليج السويس يصل إلى دير الطور الموجود بتل الكيلانى وتقف المراكب عند سلم الدير لتنزيل البضائع لتوضع فى مخزن بجوار الباب الرئيسى للدير تمهيدًا لنقلها بعد ذلك إلى دير سانت كاترين بواسطة الجمال عن طريق قبيلة الجبالية، وبنى أهالى الطور المسلمون جامع الكيلانى وقام ببنائه عامل بناء مسيحى هو بنيوتى جريجورى الذى ولد (1256هـ / 1840م) و مات عام (1359هـ / 1940م) وكان مقام الشيخ الجيلانى موجود قبل بناء المسجد ويقال أن الشيخ الجيلانى جاء من السعودية وكان ثلثى المسجد تقريبًا داخل البحر ثم انحسرت المياه
وأنشئت ترسانة بحرية عام 1980 امتدت لتل الكيلانى واستخدمت بعض الحجرات المكتشفة لخدمة الترسانة ورشة حدادة ونجارة وحجرة لتخزين مواد بناء السفن وتخزين براميل خشب لتعليب السمك البورى والفسيخ وورشة لصناعة الأحذية كما كشف عن العديد من الوثائق بحجرة 581 .
الاحتلال يدمر الآثار
أثناء الاحتلال الإسرائيلى لسيناء دمر الجنود كل المبانى على الشاطئ بداية من مسجد الكيلانى إلى موقع نقطة حرس الحدود حالياً بطول 75م على الشاطئ شرقى موقع الحفائر وبعد استرداد سيناء كانت هذه المنطقة مشغولة بأغراض كثيرة ومدمرة لدرجة يصعب فيها تخيل شكل المبانى قبل هدمها
دير فى قلب ميناء مملوكى
نرصد أهمية وجود دير شهير بمنطقة الكيلانى وهو دير القديس جاورجيوس، حيث بنيت الكنيسة على اسم مارجرجس على أنقاض كنيسة قديمة يرجع تاريخها إلى سنة (906هـ/1500م)، وفى أثناء حفائر دير الوادى بطور سيناء عثر على رفات أحد الرهبان تم نقله إلى دير القديس جاورجيوس بمنطقة الكيلانى يرتدة بدلة كتب عليها إنتاج المحلة سنة 1906 وهو جثمان الراهب جاورجيوس الذى كان يعمل فى رتبة إدارية ورهبانية داخل الدير (حافظ الأمانات) وكان قد أقام فى روسيا لسنوات ثم قرر أن يأتى لديره الروحى وهو دير القديسة كاترين ونظراً لظروفه الصحية وعدم تحمل البرد القارس بنى قلاّية فى وادى الأربعين وعاش بها ثم جاء إلى دير الطور بالكيلانى وبدأ فى بناء كنيسة جديدة بإذن من وإلى القاهرة






