التجارة بصحة المواطن المصري.. عندما يتحول الغذاء إلى مصدر للخطر

تحقيق : منصور عبد المنعم
لم يعد المواطن المصري يبحث فقط عن الطعام الذي يسد الجوع، بل أصبح يبحث عن الطعام الآمن الذي لا يهدد صحته وصحة أسرته. ففي ظل ارتفاع الأسعار واتساع الأسواق وانتشار التجارة غير المنظمة، باتت المخاوف تتزايد من الغش التجاري الذي طال مختلف السلع الغذائية، من الخضروات والفواكه إلى الدواجن واللحوم والمشروبات.
وبات السؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين: أين يجد المواطن غذاءً نظيفًا ومضمونًا صحيًا؟
رحلة البحث عن الغذاء الآمن
في جولة داخل عدد من الأسواق الشعبية، رصدنا شكاوى متكررة من المواطنين بشأن جودة المنتجات الغذائية المعروضة للبيع.
يقول أحد المواطنين:
“أصبحنا نخشى شراء أي شيء، فلا نعرف ما إذا كانت الخضروات مليئة بالمبيدات أم لا، ولا نعرف مصدر الدواجن أو طريقة حفظها.”
بينما تؤكد ربة منزل أنها أصبحت تقضي وقتًا طويلًا في اختيار المنتجات خوفًا من التعرض للغش أو شراء مواد غذائية فاسدة.
الخضروات والفواكه.. مبيدات بلا رقابة كافية
يعد الإفراط في استخدام المبيدات الزراعية من أخطر التحديات التي تواجه المستهلك.
ويشير خبراء الزراعة إلى أن بعض المزارعين يلجأون لاستخدام أنواع مختلفة من المبيدات لتحقيق إنتاج أسرع أو حماية المحاصيل من الآفات، لكن المشكلة تظهر عند عدم الالتزام بالفترة الآمنة بين الرش والحصاد.
وتؤكد تقارير متخصصة أن بقايا المبيدات قد تتسبب في مشكلات صحية متعددة عند تراكمها داخل جسم الإنسان، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
الدواجن واللحوم.. رحلة من المزرعة إلى المائدة
في قطاع الدواجن، تختلف مستويات الرقابة من مكان لآخر.
ويحذر أطباء بيطريون من شراء الدواجن المذبوحة من مصادر غير معروفة أو المعروضة في ظروف غير صحية، حيث قد يؤدي سوء الحفظ أو النقل إلى نمو البكتيريا الضارة.
كما يشير متخصصون إلى أن بعض التجار يلجأون إلى وسائل غير قانونية لزيادة الوزن أو إخفاء علامات التلف، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لصحة المستهلك.
المشروبات والعصائر.. ألوان صناعية ومكونات مجهولة
مع حلول فصل الصيف تزداد معدلات استهلاك العصائر والمشروبات، لكن بعض المنتجات مجهولة المصدر تثير مخاوف كبيرة.
ويرى خبراء التغذية أن بعض المشروبات الرخيصة قد تحتوي على ألوان صناعية أو إضافات غذائية غير مطابقة للمواصفات، فضلًا عن تصنيع بعضها في أماكن غير مرخصة تفتقر لأبسط قواعد النظافة.
الغش التجاري.. أرباح على حساب الصحة
يرى خبراء الاقتصاد أن بعض التجار يستغلون الظروف الاقتصادية لتحقيق أرباح سريعة عبر خفض الجودة أو التلاعب بالمكونات أو عرض منتجات غير مطابقة للمواصفات.
ويؤكدون أن أخطر أنواع الغش هو ذلك الذي لا يراه المستهلك بعينه المجردة، مثل استخدام مواد حافظة بكميات غير آمنة أو إعادة تدوير منتجات منتهية الصلاحية.
الأجهزة الرقابية في مواجهة المخالفات
تبذل الجهات الرقابية جهودًا مستمرة لمواجهة هذه الظاهرة من خلال الحملات التفتيشية على الأسواق والمحال والمصانع.
وقد أسفرت العديد من الحملات خلال السنوات الأخيرة عن ضبط كميات كبيرة من الأغذية الفاسدة وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي، وإحالة المخالفين إلى جهات التحقيق.
إلا أن الخبراء يؤكدون أن نجاح الرقابة يتطلب أيضًا تعاون المواطنين والإبلاغ عن أي مخالفات يتم رصدها.
كيف يحمي المواطن نفسه؟
ينصح المختصون بعدة إجراءات للحد من مخاطر التعرض للغش الغذائي:
شراء المنتجات من أماكن موثوقة ومعروفة.
التأكد من تاريخ الصلاحية وسلامة العبوات.
غسل الخضروات والفواكه جيدًا قبل تناولها.
تجنب شراء اللحوم والدواجن مجهولة المصدر.
الابتعاد عن المشروبات والمنتجات غير المعبأة بشكل قانوني.
الإبلاغ عن أي مخالفات غذائية للجهات المختصة.
بين حق المواطن في غذاء آمن، وجشع بعض التجار الباحثين عن الربح السريع، تبقى صحة المصريين على المحك. فالغش لم يعد يقتصر على سلعة بعينها، بل امتد إلى كثير من المنتجات التي تصل يوميًا إلى موائد الأسر المصرية. وبينما تتواصل جهود الرقابة، يظل الوعي المجتمعي والالتزام بالقانون خط الدفاع الأول لحماية صحة المواطن وضمان حصوله على غذاء نظيف وآمن.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل يأتي اليوم الذي يشتري فيه المواطن غذاءه مطمئنًا دون أن يخشى على صحته وصحة أبنائه؟




