حضارة وتاريخسلايدر

تهريب الآثار تحت ستار البعثات العلمية: الوجه المظلم للاستكشاف

بقلم: د. قاسم زكي، عضو اتحاد الآثاريين المصريين واتحاد كتاب مصر

منذ بدايات القرن التاسع عشر، ومع تصاعد الاهتمام الأوروبي بالحضارة المصرية القديمة، توافدت البعثات العلمية إلى أرض النيل تحت لافتة البحث والاكتشاف. بدا المشهد في ظاهره احتفاءً بالعلم والمعرفة، لكنه في باطنه أخفى وجهًا آخر شديد القتامة: التهريب المنظم للآثار المصرية تحت غطاء رسمي، وتحت مسمى “البعثات الآثرية”. هكذا صار العلم جسرًا لعبور آلاف القطع الآثرية نحو المتاحف والقصور الأوروبية، في واحدة من أخطر صور “النهب المقنَّع”.

بعثات بغطاء علمي وأهداف خفية

حين جاء الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798م، اصطحبوا معهم فريقًا من العلماء والمهندسين فيما عُرف بـ”علماء الحملة”. كانوا يدرسون الآثار ويسجلونها بدقة، فأصدروا لاحقًا موسوعة وصف مصر. لكن هذه البداية العلمية سرعان ما فتحت شهية الأوروبيين لإرسال بعثات متتالية تحمل عناوين “الاكتشاف” و”التوثيق”، بينما الهدف العملي كان الحصول على أكبر قدر ممكن من الكنوز المصرية ونقلها إلى العواصم الأوروبية.

لم تكن تلك البعثات مجرد مغامرات فردية، بل جرى تمويلها من حكومات ومؤسسات علمية كبرى، في إطار سباق دولي محموم للسيطرة على “تاريخ مصر”. وبينما كان الباحثون يُظهرون حرصهم على دراسة النقوش والتماثيل، كانت قوافل أخرى تتحرك في الخفاء لشحن القطع الآثرية نحو موانئ البحر المتوسط.

قضايا شهيرة: من حجر رشيد إلى كنوز المعابد

يُعد حجر رشيد (1799م) أبرز مثال على هذا التهريب المقنَّع. فقد اكتشفه الفرنسيون خلال حملتهم، لكن البريطانيين استولوا عليه بعد هزيمة الفرنسيين، لينتهي به المطاف في المتحف البريطاني حتى يومنا هذا. ورغم أن الاكتشاف تم في سياق بعثة “علمية عسكرية”، إلا أن مصير الحجر عكس كيف يتحول العلم إلى غطاء لنهب التراث.

قضية أخرى شهيرة ارتبطت بالقنصل البريطاني هنري سولت (Henry Salt)، الذي عمل تحت ستار “بعثة دبلوماسية وعلمية” في أوائل القرن التاسع عشر. سولت لم يكتفِ بجمع القطع لحسابه، بل كوّن شبكة من “المكتشفين” المحليين والأوروبيين – أبرزهم الإيطالي جيوفاني بيلزوني – لنقل مئات التماثيل والمومياوات إلى بريطانيا وفرنسا. حتى أن بعض القطع العملاقة مثل تمثال “رعمسيس الثاني” نُقلت بمساعدة فرق هندسية أوروبية، في مشهد أقرب إلى بعثة عسكرية منه إلى بحث أثري.

الاستكشاف أم النهب المقنّن؟

ما يُسمى بـ”علم المصريات” في القرن التاسع عشر ارتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الوجه المظلم. فكثير من المستكشفين كانوا يجمعون بين البحث الأكاديمي والتهريب. كانوا يوثقون ما يكتشفونه في كتب قيمة، ثم يتاجرون في القطع الآثرية بشكل غير رسمي أو عبر عقود ملتبسة.

أوجست مارييت، مؤسس مصلحة الآثار المصرية، بدأ حياته جامعًا للآثار باسم متحف اللوفر. ورغم جهوده لاحقًا في حماية الآثار داخل مصر، إلا أن رحلته الأولى حملت معها عشرات القطع إلى باريس. أما فليندرز بيتري، رائد علم التنقيب الحديث، فقد ارتبط اسمه بعمليات نقل واسعة لقطع آثرية إلى بريطانيا تحت غطاء “الدراسة” و”التدريب الأكاديمية” .

آليات التهريب “العلمي

لإضفاء الشرعية على أفعالها، اعتمدت البعثات الأوروبية عدة أساليب:

  1. الحصول على فرمانات من حكام ضعفاء: إذ كانت بعض السلطات العثمانية أو الخديوية تمنح تصاريح بالتنقيب مقابل هدايا أو رشى، ما أعطى للمهربين غطاءً قانونيًا.
  2. تقسيم المكتشفات: حيث يجري تقسيم ما يُكتشف بين البعثة والدولة المصرية، لكن في الواقع كانت القطع الأهم تذهب إلى أوروبا (تمثال نفرتيتي مثالا).
  3. شحن القطع باعتبارها “عينات دراسية”: كثير من الشحنات خرجت من الموانئ تحت توصيف علمي، بينما كانت في الحقيقة آثارا فريدة.
  4. التبادل الأكاديمي: حيث تقدم البعثات بعض الاكتشافات البسيطة للمتاحف المصرية الناشئة، مقابل الاستحواذ على القطع الأكبر والأكثر قيمة.

النتائج الكارثية

خلال القرن التاسع عشر وحده، خرجت من مصر آلاف القطع الآثرية تحت مسمى “البعثات العلمية”. هذه القطع استقرت في متاحف أوروبية مثل اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف برلين، حتى صارت تلك المتاحف تضم أكبر مجموعات من الآثار المصريةخارج موطنها الأصلي.

النتيجة لم تكن فقط فقدان كنوز لا تُقدّر بثمن، بل أيضًا تشويه الوعي التاريخي، حيث صار الأوروبيون هم من يملكون مفاتيح تفسير التاريخ المصري من خلال سيطرتهم على مادته الآثرية.

الوجه المظلم للاستكشاف

ورغم ما قدّمه علماء القرن التاسع عشر من إسهامات في تسجيل ونشر معارف عن مصر القديمة، إلا أن الثمن كان فادحًا: إرث حضاري نُهب تحت حماية “العلم”. لقد تحولت البعثة العلمية من وسيلة لاكتشاف الماضي إلى أداة للاستحواذ على كنوز أمة بأكملها.

هذا الوجه المظلم للاستكشاف يستدعي إعادة النظر في كثير من “الإنجازات” التي نُسبت إلى تلك البعثات. فالتاريخ لا يُكتب فقط بما وثقوه، بل أيضًا بما سرقوه.

إن التهريب تحت ستار البعثات العلمية يمثل أحد أخطر أشكال السطو على التراث، لأنه جرى بغطاء شرعي وعلمي، وجعل من السارق عالمًا ومن النهب اكتشافًا. اليوم، ومع تزايد المطالبات بإعادة الآثار إلى موطنها، تعود هذه الحقبة لتُقرأ من جديد لا كـ”عصر ذهبي للاستكشاف”، بل كمرحلة مظلمة تواطأ فيها العلم مع الاستعمار لنهب ذاكرة الشعوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights