ألوان الفراعنة بين عبقرية العلم وحقوق التراث
دراسة أوروبية تفحص آثارًا مصرية في متاحف أجنبية وتعيد طرح سؤال المشاركة المصرية)

بقلم: د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين
كيف احتفظت نقوش المعابد والتوابيت المصرية بألوانها بعد مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام؟ سؤال قديم أعادت دراسة علمية حديثة طرحه من زاوية جديدة، بعدما نجح باحثون في التعرف إلى مواد حيوانية ونباتية استخدمها المصري القديم في تثبيت الألوان ولصق طبقات الزخرفة. غير أن الدراسة فتحت، إلى جانب باب الإعجاب العلمي، بابًا آخر للنقاش: فالقطع التي أُخذت منها العينات مصرية، لكنها محفوظة في متاحف أوروبية؛ فهل يكفي إذن المتحف لإجراء الفحص، أم ينبغي أن تكون مصر شريكًا في دراسة تراثها الموجود بالخارج؟
28 عينة من 14 أثرًا مصريًا
نشرت دورية «ساينس أدفانسز» في 26 أغسطس 2026م دراسة لفريق دولي بقيادة الباحثة كلارا جرانزوتو من جامعة كوبنهاجن. وحلل الفريق 28 عينة مجهرية من 14 قطعة فنية مصرية ترجع إلى الفترة الممتدة من نحو 1425 قبل الميلاد إلى 400 ميلادية. وتنوعت القطع بين توابيت خشبية ملونة، وكارتوناج جنائزي، ورسوم جدارية، وعناصر معمارية من الحجر الجيري.
وتوجد هذه الآثار ضمن مجموعات ثلاثة متاحف أجنبية: متحف البحر المتوسط والشرق الأدنى في ستوكهولم، والمتحف البريطاني في لندن، ومتحف ني كارلسبرج جليبتوتيك في كوبنهاجن. ولذلك لا تمثل الدراسة مجرد بحث في كيمياء اللون، بل مثالًا واضحًا على أن جانبًا مهمًا من تاريخ مصر المادي ما زال يُدرس في الخارج، وأن المعرفة الجديدة المتعلقة به قد تُنتج بعيدًا عن المؤسسات المصرية.
البروتينات تكشف وصفات الفنان المصري
استخدم الباحثون تقنية «البروتيوميات القديمة»، التي تتعرف إلى بقايا البروتينات داخل عينات دقيقة للغاية. وأظهرت النتائج أن الفنان المصري لم يعتمد مادة رابطة واحدة، بل استخدم مواد متعددة وفق العصر والورشة والسطح والغرض. فقد كُشف عن غراء حيواني مصدره الأبقار، إلى جانب الأغنام أو الماعز والحمير والخيول، وربما بعض الظباء، كما ظهرت بروتينات البيض ومواد ذات أصل نباتي.
وكان الاكتشاف الأكثر إثارة هو رصد بروتينات من بذور السمسم والمورينجا. ورجح الباحثون أن بعض الخلطات احتوت على بقايا البذور البروتينية بعد عصر الزيت، المعروفة باسم «كُسب البذور»، وليس الزيت الخالص فقط. وربما أضيفت هذه المادة لتحسين قوام الطلاء أو زيادة تماسكه والتصاقه بالسطح.
ولا تقدم النتائج وصفة فرعونية سحرية واحدة تفسر بقاء كل الألوان؛ فثباتها نتج من اجتماع عدة عوامل، منها قوة الصبغات المعدنية، وإتقان تجهيز الحجر والخشب والجص، وجودة المواد الرابطة، وتتابع الطبقات، وجفاف المناخ المصري، وحماية المقابر لكثير من الرسوم من المطر وضوء الشمس المباشر.
قيمة علمية تخدم الترميم
تكتسب الدراسة أهمية عملية كبيرة؛ فمعرفة المواد الأصلية تساعد خبراء الترميم على اختيار وسائل تنظيف وتثبيت مناسبة، وتجنب مركبات قد تتفاعل سلبًا مع الغراء أو البيض أو البروتينات النباتية. كما تكشف النتائج جانبًا من اقتصاد الورش القديمة ومصادر خاماتها وخبرة الحرفيين في توظيف منتجات الحيوان والنبات.
ومع ذلك، فإن العينة المجهرية ليست بلا قيمة أو بلا أثر. فهي جزء مادي يُفصل من قطعة فريدة لا يمكن تعويضها. ولهذا يُصنف أخذ العينات ضمن التحليل المتلف أو شبه المتلف، حتى إذا كانت الكمية بالغة الصغر. وتقتضي الممارسة العلمية الرشيدة أن تكون هناك ضرورة واضحة للفحص، وأن تُستخدم أقل كمية ممكنة، وأن يوثق موضع العينة ومصيرها والنتائج التي خرجت منها توثيقًا دائمًا.
هل يلزم الحصول على موافقة مصر؟
من الناحية القانونية، لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع القطع. فإذا كان المتحف يحوز الأثر حيازة قانونية مستقرة، فعادة ما تمنح لجنته العلمية أو لجنة المقتنيات الإذن بأخذ العينة وفق قانون الدولة وسياسة المتحف. كما أن اتفاقية اليونسكو لعام 1970 تركز على منع الاستيراد والتصدير ونقل الملكية بطرق غير مشروعة، ولا تتضمن قاعدة عامة تلزم كل متحف بالحصول على موافقة دولة المنشأ قبل أي تحليل علمي لأثر موجود في مجموعته بصورة قانونية.
لكن الأمر يختلف إذا كانت ملكية القطعة محل نزاع، أو كان تاريخ خروجها من مصر غير واضح، أو وُجدت شبهة في تصديرها بصورة غير مشروعة، أو كانت خاضعة لاتفاق إعارة أو تعاون يشترط موافقة مصرية. ففي هذه الحالات يصبح فحص سجل الاقتناء والرجوع إلى الجهات المصرية المختصة خطوة ضرورية قبل المساس المادي بالأثر.
القانون شيء والشراكة الأخلاقية شيء آخر
قد لا تفرض النصوص القانونية موافقة مصر في كل حالة، لكن ذلك لا يعني أن تجاهلها هو الخيار الأفضل. فالآثار المصرية ليست مجرد ممتلكات مخزنية، بل شواهد على هوية شعب وتاريخه. والمعرفة المستخرجة منها امتداد لقيمتها الحضارية. ومن ثم فإن إشراك بلد المنشأ في الأبحاث، ولا سيما التي تتضمن أخذ عينات، يمثل ممارسة أخلاقية أكثر عدلًا واحترامًا.
ويمكن أن تبدأ هذه الشراكة بإخطار الجهات المصرية المختصة، وإشراك باحثين ومرممين مصريين منذ تصميم الدراسة، وإتاحة البيانات والصور التحليلية والنتائج، وحفظ ما يتبقى من العينات، وتوضيح تاريخ اقتناء كل قطعة والطريق الذي انتقلت عبره إلى المتحف. ولا ينتقص ذلك من دور الباحثين أو المتاحف الأجنبية، بل يزيد الثقة في البحث ويوسع فائدته.
شفافية المصدر تحمي العلم والتراث
ليس صحيحًا وصف كل أثر مصري موجود بالخارج بأنه مُهرَّب من دون فحص الوثائق؛ فقد خرجت قطع في عصور اختلفت فيها القوانين ونظم الحفر والاقتسام والشراء. وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار كل حيازة قانونية لمجرد أن القطعة استقرت طويلًا في متحف مشهور. لذلك يصبح نشر سجل المصدر وتاريخ الاقتناء جزءًا مهمًا من الأمانة العلمية، خاصة عندما تُؤخذ عينة مادية من الأثر.
لقد كشفت الدراسة جانبًا جديدًا من عبقرية الصانع المصري الذي جمع بين المعرفة بالمواد ودقة التنفيذ، ونجح في أن يجعل ألوانه تعبر آلاف السنين. والمطلوب ليس إغلاق المختبرات الأجنبية أمام الآثار المصرية، وإنما بناء تعاون يجعل مصر شريكًا أصيلًا في دراسة تراثها، مع إعطاء الأولوية للتقنيات غير المتلفة واللجوء إلى أخذ العينات في أضيق الحدود.
إن حماية الآثار لا تعني فقط إبقاء القطعة سليمة داخل خزانة العرض، بل تشمل أيضًا حماية سياقها، وتوثيق تاريخ انتقالها، وضمان عدالة المشاركة في المعرفة الناتجة عنها. وهكذا تضعنا ألوان المصريين القدماء أمام درس مزدوج: الإعجاب بعلم صنعها، والمسؤولية المشتركة عن الطريقة التي ندرسها بها اليوم.
المرجع العلمي
Clara Granzotto et al. (2026). Beyond animal glue: Paleoproteomic analysis of paint binders and adhesives in ancient Egypt. Science Advances, 12, eady3618. DOI: 10.1126/sciadv.ady3618.




