منوعات

في ذكرى رحيله.. محمود المليجي شرير الشاشة الخالد وأنتوني كوين العرب

كواليس مسيرة حافلة بالإبداع الفني ونهاية درامية أذهلت الجماهير

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان القدير موقع الدليل نيوز، الذي يعد أحد أبرز رموز الفن العربي وصاحب البصمات الخالدة في تاريخ السينما المصرية. لُقب الراحل بلقب شرير الشاشة لما تميز به من قدرة فائقة على تقديم أدوار الشر بطرق مبتكرة غيّرت من الصورة النمطية للشرير التقليدي. كما حظي بلقب أنطوني كوين الشرق بفضل عبقريته التمثيلية التي جعلت منه أسطورة لا تتكرر. ورغم براعته المطلقة في تجسيد أدوار القسوة والجريمة، عُرف في الكواليس بقلبه الطيب وإنسانيته الفريدة التي جعلت كل زملائه يشهدون له بنبل الأخلاق والتواضع الشديد رفقة صديق عمره فريد شوقي.

محمود المليجي وبدايات الرحلة من مليج إلى مسرح رمسيس

بدايات النجم الكبير محمود المليجي تعود إلى أصول ريفية بسيطة في قرية مليج بمحافظة المنوفية، حيث نشأ على عشق الفن والمسرح منذ صغره. انضم النجم الشاب في مطلع الثلاثينيات إلى فرقة الفنانة الكبيرة فاطمة رشدي، والتي كانت بوابته الأولى لعالم الاحتراف والتمثيل. كانت خطوته التالية هي الالتحاق بمسرح رمسيس، حيث بدأ مسيرته المهنية متواضعاً للغاية بالعمل كـ “ملقن” في البداية. هذا البدء الصعب ساهم في صقل موهبة محمود المليجي الفنية وجعله قادراً على تشكيل مدرسته الخاصة القائمة على التقمص الكامل والاندماج الصادق مع كل شخصية يؤديها على الشاشة بوصفه شرير الشاشة الأبرز في عصره، حيث أرسى معايير جديدة للأداء الواقعي والتقمص الكامل المماثل لما قدمه النجم العالمي أنطوني كوين.

وبمرور الوقت، تدرج حتى أصبح قسماً مشتركاً وعاملاً أساسياً لنجاح كبرى إنتاجات السينما المصرية في تلك الحقبة الذهبية التي قادها كبار المخرجين وصناع الفن الذين رأوا فيه طاقة فريدة تضاهي العمالقة كلقب أنطوني كوين الشرق. ويُجمع النقاد على أن مسار السينما المصرية في القرن العشرين لا يمكن قراءته بمعزل عن إسهامات هذا الفنان الكبير الذي استطاع أن يحول الموهبة الفطرية إلى علم وفن يدرس للأجيال اللاحقة. إن الإصرار الذي تميز به كان كافياً ليدفع به تدريجياً ليكون الأبرز في مجاله، متجاوزاً عقبات البدايات الصعبة ومثبتاً أن الموهبة الحقيقية تفرض نفسها مهما طال الزمن.

لقب شرير الشاشة والصراع المستمر مع فريد شوقي

اشتهر الفنان الراحل بلقب شرير الشاشة الذي رافقه لعقود طويلة نتيجة أدائه المذهل لأدوار العصابات والمجرمين بطريقة غير مسبوقة. هذا التميز جعله يشكل ثنائياً سينمائياً وتاريخياً ناجحاً للغاية مع زميل مشواره الفنان الكبير فريد شوقي، حيث قدما معاً توليفة سينمائية نادرة جذبت ملايين المشاهدين إلى دور العرض. وكان محمود المليجي يمازح جمهوره دائماً بالقول إنه أكثر ممثل تلقى ضرباً من فريد شوقي في الأفلام، مشيراً إلى محبة الجمهور الكبيرة لهذا الصراع الفني الممتع. وفي أحد لقاءاته التليفزيونية النادرة، أوضح محمود المليجي أن الناس حين يقابلونه في الشوارع يمازحونه مهددين إياه بقوة “وحش الشاشة” فريد شوقي. هذا التفاعل اللطيف مع الجمهور يعكس مدى نجاح هذه الثنائية، وكيف رسخ لقب شرير الشاشة مكانته البارزة في قلوب عشاق الفن.

ورغم ذلك الصراع العنيف والضرب المتبادل في الأفلام، كانت تجمع بين محمود المليجي والنجم فريد شوقي علاقة صداقة وطيدة وعميقة امتدت لسنوات طوال خارج بلاتوهات التصوير، مما يثبت أن عدو الشاشة اللدود كان في الواقع الصديق الأقرب لـ فريد شوقي. وكان النجم فريد شوقي يصف صديقه بأنه المعلم الأول في التقمص، والعمود الفقري لأي عمل يشاركان فيه معاً في مسيرة السينما المصرية التي ازدانت بروائعهم المشتركة. وكانت هذه الثنائية الأبرز، حيث شكل حضور فريد شوقي القوي نداً حقيقياً أمام مهارة المليجي الإبداعية. وتميزت السينما في تلك الحقبة بروعة المبارزة الفنية بين الطيب والشرير، فبينما كان الجمهور يرى فريد شوقي يدافع عن الحق والخير، كان يرى في محمود المليجي القوة المضادة والذكاء الشرير الذي يصعب التغلب عليه.

لقد نجح شرير الشاشة في جعل أدوار الشر تبدو واقعية للغاية دون مبالغة، وهو ما دفع النجم فريد شوقي للتأكيد في حوارات صحفية متعددة على أن نجاحه كبطل شعبي مدين بشكل كبير لعبقرية خصمه الفني محمود المليجي. هذا التنافس الشريف والمبدع ساهم في الارتقاء بمستوى الإخراج والحوار في أفلام عديدة صنعت أمجاد السينما المصرية.

ويرى النقاد أن الثنائي الفني المكون من فريد شوقي والنجم محمود المليجي يمثل حجر الزاوية الذي تأسست عليه مدرسة الأكشن والإثارة في سينما الشرق الأوسط، حيث لم يتمكن أي ممثل لاحق من سد الفراغ الذي تركه رحيل شرير الشاشة الذي كان يؤدي أدوار الجريمة بملامح يملأها الكبرياء الفني والعمق الذي ميزه كلقب أنطوني كوين العرب. لقد أعاد الجمهور تقييم عبقرية هذا الفنان العظيم وقارنوه بأداء الممثل العالمي أنطوني كوين في تجسيد الشخصيات المركبة التي تجمع بين القوة والضعف البشري.

تحول تاريخي مع يوسف شاهين وفيلم الأرض

على الرغم من نجاحه الساحق كـ شرير الشاشة، شهدت مسيرة النجم الكبير نقطة تحول كبرى عندما التقى بالمخرج العالمي يوسف شاهين، الذي أعاد اكتشافه وقدمه في أدوار تراجيدية وإنسانية شديدة التعقيد. وكان أبرز هذه الأدوار على الإطلاق هو تجسيده لشخصية الفلاح المناضل “محمد أبو سويلم” في فيلم الأرض الشهير عام 1970. في هذا العمل، أثبت محمود المليجي أنه بالفعل أنطوني كوين الشرق بقدرته على إبكاء الملايين وتقديم مشهد النهاية الأسطوري الذي سُحل فيه على الأرض وهو متشبث بتراب وطنه، وهو المشهد الذي يُصنف كأحد أعظم المشاهد في تاريخ السينما المصرية. لقد قال يوسف شاهين عن هذا الأداء إنه كان يخشى نظرات عيني محمود المليجي أمام الكاميرا لشدة صدقها وتلقائيتها وعمق الرسالة الإنسانية التي تحملها ملامحه.

هذا التعاون الفني المثمر جعل النقاد يطلقون عليه لقب أنطوني كوين العرب تأكيداً على مهارته الفذة التي تضاهي العباقرة العالميين. وبفضل فيلم الأرض، تحول محمود المليجي من مجرد ممثل يبرع في الشر والبطش إلى رمز حقيقي للفلاح المصري الصامد والمدافع عن حقوقه وأرضه. هذا التنوع المذهل أكد جدارة الفنان بلقبه العالمي أنطوني كوين وجعل اسمه محفوراً بحروف من ذهب كأحد أهم عباقرة الفن الذين أنجبتهم السينما المصرية على مدار تاريخها الطويل. لقد تعمد يوسف شاهين في فيلم الأرض إخراج الممثل العملاق من العباءة التقليدية التي حصرته طويلاً في السينما التجارية مع صديقه فريد شوقي ليرينا الوجه الإنساني لـ شرير الشاشة الأسطوري.

وبالفعل، أثبت محمود المليجي تفوقاً تمثيلياً ساحقاً جعله يستحق لقب أنطوني كوين بجدارة تامة، مبيناً أن قدرته على التقمص لا تقتصر على أدوار البطش والعدوان بل تتجاوزها للتعبير عن الهم الإنساني والوطني العميق. لقد صار أداؤه لشخصية محمد أبو سويلم مرجعاً يدرس في معاهد التمثيل حول العالم، وصارت تعبيرات وجهه تعبيراً حياً عن قوة وعظمة الفلاح ومقاومته ضد الإقطاع.

هذا الدور بالتحديد جعل نقاد الفن في الغرب يقارنونه بالنجم العالمي وبدأوا بالفعل بتسميته أنطوني كوين العرب، مؤكدين أن السينما المصرية تملك طاقة بشرية وإبداعية لا تقل أبداً عن هوليوود وأوروبا، حيث شهد النقاد في مهرجان كان السينمائي بعبقرية هذا الممثل الفذ واعتبروه النسخة الشرقية من النجم أنطوني كوين. ومنذ ذلك العمل، استمر التعاون بين يوسف شاهين وبين محمود المليجي في سلسلة أفلام هامة مثل “إسكندرية ليه؟” و”عودة الابن الضال”، حيث استمر الفنان في إبهار الجمهور بأدوار تبتعد تماماً عن نمط شرير الشاشة وتقدم رؤية فلسفية عميقة للحياة والمجتمع، مما عزز مكانته بوصفه أنطوني كوين الفن العربي والعمود الفقري لأعظم أفلام السينما المصرية، وكان فيلم الأرض بمثابة ملحمة وطنية حية رفعت من شأن السينما المصرية عالمياً.

محمود المليجي على خشبة المسرح والشاشة الفضية

لم تقتصر إبداعات العملاق الراحل على شاشات السينما فقط، بل ترك محمود المليجي بصمات بارزة وواضحة في المسرح والدراما التليفزيونية. في مجال المسرح، انضم بعد تجاربه الأولى مع فاطمة رشدي إلى فرقة الفنان الكوميدي الكبير إسماعيل ياسين، ثم عمل لاحقاً مع فرقة الفنانة تحية كاريوكا، ومن بعدها فرقة المسرح الجديد. قدم محمود المليجي خلال تلك المسيرة الطويلة أكثر من عشرين مسرحية متميزة أثبتت تنوعه الفني الكبير، ومن أبرز أعماله المسرحية أدوار هامة في مسرحيات “يوليوس قيصر”، “حدث ذات يوم”، “الولادة”، بالإضافة إلى تجسيده الرائع لشخصية “أبو الذهب” في مسرحية أمير الشعراء أحمد شوقي “علي بك الكبير”. كما كان محمود المليجي عضواً بارزاً في الرابطة القومية للتمثيل والفرقة القومية للتمثيل، مما يعكس مكانته الأكاديمية والفنية المرموقة.

أما على شاشات التليفزيون، فقد أمتع الجمهور بمشاركته كضيف شرف في مسلسل “أحلام الفتى الطائر” مع الزعيم عادل إمام، وقدم دوراً لا يُنسى في مسلسل “الأيام” مع النجم الراحل أحمد زكي، فضلاً عن بطولته لمسلسل “القط الأسود” ومسلسل “برج الحظ” الذي حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً في عصره وتابعه الملايين بشغف.

هذه الأعمال المتنوعة أظهرت الوجه الآخر لمن عُرف طويلاً بلقب شرير الشاشة، لتؤكد أنه ممثل شامل يستطيع بعبقريته الفذة تنميط الأدوار والتحرك بمرونة فائقة بين الكوميديا والتراجيديا والدراما الإنسانية العميقة، مستحقاً بجدارة لقب أنطوني كوين الفن العربي الذي وهب حياته للإبداع الصادق. إن انتقال المليجي بين خشبة المسرح الفكاهي مع إسماعيل ياسين والمسرح الكلاسيكي الجاد يوضح لماذا أطلق عليه الجمهور لقب أنطوني كوين الشرق، فقدرته على إقناع المشاهد في كل زمان ومكان تجعله من نوادر الفن العربي.

وكان النجم الراحل يرى أن المسرح هو المعلم الأول الذي يصقل أدوات الفنان ويمنحه الثقة لمواجهة الكاميرا في بلاتوهات الأفلام التي تصنع مجد السينما المصرية. واكتملت هذه اللوحات بوجود النجم فريد شوقي كداعم حقيقي في مسيرتهما الإبداعية المشتركة. وكما برع في الدراما التليفزيونية، كان دائماً قادراً على سلب عقول المشاهدين بأداء هادئ لا يحتاج لمجهود مبالغ فيه، وهي السمة التي ميزت كذلك رفيق كفاحه فريد شوقي في أعماله المتنوعة. ولم يكن نجاح محمود المليجي التليفزيوني بعيداً عن كونه نجماً جماهيرياً يترقبه الجميع بشغف كبير، حيث ساهمت مسلسلاته في توسيع رقعة شهرته لتصل لكل بيت عربي من مشرق الوطن إلى مغربه،

مؤكدة أن لقب شرير الشاشة كان مجرد مفتاح لدخول قلوب الجماهير التي عشقت طيبته الواقعية وموهبته الأسطورية التي جعلته يتربع على عرش النجومية رفقة وحش الشاشة فريد شوقي في العصر الذهبي للإنتاج السينمائي والدرامي، مساهماً في بناء الهوية الثقافية والفنية التي تفخر بها السينما المصرية حتى يومنا هذا، وإن الروائع التي قدمها للمسرح لم تكن تقل شأناً عما جادت به السينما المصرية في أزهى عصورها.

كواليس مشهد الموت الأخير أمام عمر الشريف وهاني لاشين

لعل النهاية الدرامية التي اختتم بها النجم الكبير حياته كانت تشبه إلى حد كبير سيناريوهات الأفلام الأسطورية التي قدمها طوال مسيرته في السينما المصرية. ففي السادس من يونيو عام 1983، وأثناء تصوير فيلم “أيوب” للمخرج هاني لاشين، كان محمود المليجي يستعد لتصوير أحد المشاهد الصعبة مع النجم العالمي عمر الشريف. ويروي المخرج هاني لاشين كواليس تلك اللحظات المؤثرة قائلاً إنهم كانوا يجلسون على طاولة التحضير ويشربون القهوة، وطلب محمود المليجي أن يبدأ الفصل الأخير من حياته بحديث فلسفي وجهه لعمر الشريف قائلاً: “الحياة دي غريبة جداً، الواحد ينام ويصحى وينام ويصحى وينام ويشخر”، ثم خفض رأسه كأنه يمثل مشهد الموت مستغرقاً في النوم وبدأ بالفعل في محاكاة صوت النوم والتشخير ببراعة مذهلة كعادته كـ شرير الشاشة المحترف والمبدع المطلق.

اعتقد الجميع، وعلى رأسهم عمر الشريف وهاني لاشين، أن الممثل العبقري الذي لقبوه بـ أنطوني كوين العرب يندمج كالعادة في التمثيل التلقائي وبدأوا في الضحك والإعجاب، حتى قال له عمر الشريف: “إيه يا محمود خلاص بقى اصحى”، لتكون المفاجأة الكبرى والرحيل الصادم بأن روح محمود المليجي قد صعدت بالفعل إلى بارئها وهو يؤدي مشهد الموت الخيالي ليتحول المشهد إلى حقيقة أبكت كل عشاق الفن في مصر والوطن العربي.

وكان المخرج هاني لاشين يرى في محمود المليجي ليس فقط ممثلاً مقتدراً بل مرشداً ومعلماً للأجيال الجديدة، يثبت لهم بالعمل الجاد كيف يمكن للفنان أن يحترم مهنته حتى اللحظة الأخيرة من حياته. لقد شكل رحيله صدمة حقيقية للنجم عمر الشريف الذي انهار بالبكاء حزناً على رفيق السلاح الفني، والذي كان يرى فيه تجسيداً حياً لـ أنطوني كوين العرب في موهبته وتواضعه.

ولم تكن هذه الوفاة الدرامية إلا تأكيداً على أن هذا الفنان العظيم قد عاش للفن ومات فيه، تاركاً فراغاً لا يمكن تعويضه في السينما المصرية التي فقدت برحيله ركناً أساسياً من أركانها التي شُيدت عبر التاريخ. إن لقب شرير الشاشة الذي أطلقه عليه النقاد والجمهور لم يكن يعكس قسوة قلبه بل كان شهادة نجاح لعبقرية تمثيله وقدرته الفذة على إقناع الناس بمدى جديته في العمل الفني وتوثيق أعماله التي يمكن متابعة تفاصيلها عبر موقع قاعدة بيانات الأفلام العربية الموثوق. وسيظل اسم محمود المليجي مقترناً بالإخلاص المطلق والقدرة على تقديم أصعب الأدوار والشخصيات رفقة رفيق عمره فريد شوقي، ليبقى دوماً أنطوني كوين الشرق والرمز الخالد الذي تفتخر به السينما المصرية عبر العصور المتعاقبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights