انفراد لحملة الدفاع عن الحضارة: تحليل علمى للكشف الأثرى بوادى النطرون

كتب د. عبد الرحيم ريحان
تنفرد حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان بدراسة تاريخية أثرية متكاملة عن الكشف الأثرى التى أعلنت عنه وزارة السياحة والآثار منذ أيام بوادى النطرون يهديها لقراء الحملة الباحث المتخصص الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس دكتوراه فى الآثار والفنون القبطية – معهد الدراسات والبحوث القبطية – كلية الآداب جامعة الإسكندرية ، دكتوراه تاريخ العصور الوسطى – كلية الآداب- جامعة الإسكندرية بعنوان ” تاريخ مستعمرة “القلالى ” Kellia بغرب النيل وظهور نظام المنشوبيات الرهبانية
تأسيس مستعمرة القلالى
أشار المؤرخ الرهبانى “Derwas J. Chitty” إلى تاريخ تأسيس مستعمرة القلالى الرهبانية بعام 338م، وذكر مصدر لأقوال الأباء فى القرن الرابع والثلاثين منه والخاص بالأنبا أنطونيوس أب الرهبان أن مستعمرة القلالى الرهبانية تأسست عند زيارة للأنبا أنطونيوس إلى مستعمرة نتريا الرهبانية بغرب النيل ، والتى جرى تأسيسها منذ عام 315م . بجهود الراهب الشيخ ” أمون ” Ammun ، وكان تلميذًا لأنطونيوس ورأى أنطونيوس عدد الرهبان فى جماعة نتريا يزيد بسرعة حتى بلغ ثلاثة ألاف راهب وفق تقدير الرحالة بالاديوس لهم ، وضاق المكان أن يسعهم جميعا، وأن هناك رهبان نتريون يرغبون فى الانفصال عن الجماعة الرهبانية ليعيشوا حياة عزلة كاملة ، فأشار على أمون بإنشاء مستعمرة رهبانية أخرى تكون قريبة من نتريا وتصلح لسكنى هؤلاء النساك وسار الشيخيان لمسافة ستة عشر كيلومتر غرب نتريا ، وهناك غرس أنطونيوس عصاه واختار هذا الموقع ليكون سكنًا للعابدين الزاهدين، ووصف الرحالة روفينوس فى مصدره المعنون رحلة الرهبان السبعة أن هذا الموقع عبارة عن صحراء مقفرة، تفتقر كثيرًا إلى موارد الحياة ولكنها تناسب رغبات النساك الذين يبتغون حياة أكثر عزلة وزهدًا وتقشف .
رهبانية الوحدة
يوضح الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس أن الرحّالة الأوربى روفينوس أشار إلى بداية صلوات النسّاك منذ تأسيس مستعمرة القلالى الرهبانية الذين اتخذوا من بعض كهوفها مسكنًا لهم، وابتعدت القلايات عن بعضها مسافات طويلة تقدر بنحو ثلاثة وأربعة أميال، وأحصى الرحّالة الرهبانى الأخر بالاديوس عدد نساك كيليا فى حياة آمون بأنه بلغ ستمائة راهب متوحد كانوا يعتمدون فى غذائهم على أرغفة الخبز التى تأتيهم من نتريا، ويصلون داخل كنيسة تتوسط موقعهم، وبعد انتهاء الصلاة يذهب كل منهم إلى قلايته وحتى الآن كانت رهبانية كيليا تسير على نظام رهبانية الوحدة وأطلق عليها مسمى ” القلالى ” نظرًا لزيادة عدد قلالى الرهبان المتوحدين بها .
رهبانية الجماعات
ويضيف الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس أنه بعد تأسيس رهبانية كليا بفترة قصيرة أخذ عدد نساكها يتزايد سريعًا وبرز من بينهم ثلاثة شخصيات رهبانية أخذت على عاتقها تأسيس أولى الجماعات الرهبانية بها ، أولهم الراهب الشيخ ” كرونيوس” Cornius ، ويرى الرحالة بالاديوس أنه يعد أحد أهم وأشهر الرهبان فى تاريخ الرهبانية المبكر منذ تأسيسها على يد القديس أنطونيوس. ولد عام 285م وعاش عمرًا طويلًا حتى تخطى 110 عام، أورد بالاديوس معلومات مهمة عنه فى الفصل السابع والثلاثين من مصدره ومنه أنه ولد فى قرية بصعيد مصر تدعى ” فيونيس” تتبع بنى سويف التى ولد بها ” أنطونيوس الكبير ” وفى شبابه المبكر اعتزل الناس وعاش ناسكًا متوحدًا ثم انتقل حتى بلغ إلى ” أنطونيوس ” وصار أحد تلاميذه.
وبعد سنوات طويلة دفعه أنطونيوس للتنقل إلى الإسكندرية حيث عمل على تأسيس جماعات رهبانية بها، وبعدها انتقل إلى غرب النيل وبلغ نتريا وعاش تلميذًا لآمون شيخها عدة أعوام انتقل بعدها إلى جماعة القلالى منذ بداية تأسيسها وقضى عدة أعوام متوحدًا فى قلاية، وقام بحفر بئر ماء عميق خدمة للرهبان ليوفر لهم ماء للشرب والاستخدام فى الأنشطة الحياتية وسرعان ما ذاع صيته وقصده شباب الرهبان ليتعلموا مبادىء النسك حتى بلغ عدد تلاميذه الملاصقين له مائتى راهب .
ثم جاءت الشخصية الثانية وهى شخصية ” مكاريوس السكندرى” Macarius of Alexandria ، وأشار روفينوس وبالاديوس إليه أنه من تلاميذ ” أنطونيوس” . ولد بالاسكندرية ونشأ بها وفى شبابه هجر العالم واتجه إلى الصحراء عام 330 م، وبعد أن قضى بضع سنوات تلميذًا لأنطونيوس انتقل إلى غرب النيل وانضم إلى جماعة ” نتريا ” الرهبانية . وأشارت مصادر تاريخ الكنيسة ومنها كتاب المؤرخ سوزومين إلى أن نفسه اشتاقت إلى ممارسة تداريب نسكية أكثر زهدًا مما دفعه إلى مغادرة نتريا والتوجه إلى ” القلالى ” وأقام لنفسه قلاية بين مغائرها وتدرج فى النسك حتى صار شيخًا وأبًا لنسّاكها .
أمّا الشخصية الثالثة التى أنشأت نظام جماعات رهبانية فى ” القلالى ” فهى شخصية الراهب ” أسحق قس القلالى” Isac ، ولد فى بداية القرن الرابع الميلادى وأشار إليه الرحالة يوحنا كاسيان فى مصدره وعنوانه ” المناظرات “، وبالاديوس فى مصدره المعنون ” حوار عن يوحنا فم الذهب ” أنه تتلمذ لأنطونيوس بعض الوقت مثل سابقية وعاش فى نتريا بعض الوقت قبل أن يرتحل إلى ” القلالى ” وأورد مصدر آخر وهو ” أقوال الأباء” إلى أنه قضى بعض الوقت فى التلمذة الرهبانية على يد سابقه كرونيوس .
وهناك فى ” القلالى ” أسس جماعة رهبانية وبلغ عدد تلاميذه من الرهبان الجدد مائتى وعشرة راهبًا ويشهد أحد المؤرخين المعاصرين باجتهاده فى العمل حيث كان مشهورًا بالرغبة فى البناء فجعل لتلاميذه الكثيرين فى القلالى، قلالى يعيشون فيها وبنى أول مضيفة للزائين والغرباء كما قام ببناء دار متسع لرعاية المرضى فى ” القلالى” ومما سبق يتضح أن مرحلة الجماعات هذه امتدت حتى نهاية القرن الرابع الميلادى.
رهبانية المنشوبيات
ويتابع الدكتور شكرى يوسف شكرى أن مرحلة ” المنشوبيات ” وهى جمع ” منشوبية ” يمكن أن يطلق عليها مرحلة نصف الشركة الرهبانية أو نصف الديرية ابتداءً من ظهور هذا النوع من الرهبانية فى نهايات القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلادى .
وكانت مرحلة متطورة عن نظام الجماعات الرهبانية السابق وحدث هذا التطور نتيجة الزيادة الهائلة والسريعة فى أعداد الرهبان بمنطقة القلالى حتى بلغوا الآلاف وكثرت أعداد قلاليهم تبعًا لهذه الزيادة حتى تقاربت من بعضها لدرجة كبيرة .
كما زاد عدد الشيوخ الرهبان وصار يتبع كل منهم عددًا من الرهبان الجدد يتتلمذون على يديهم ويتبعون منهجهم النسكى ويبنون قلاليهم حول قلاياتهم أخذت هذه القلالى تتقارب من بعضها حتى التصقت جدرانها وصارت تشبه الخلايا وصار لأعضائها حياة شبه مشتركة ومع مرور الوقت ظهر أمام كل جماعة من هذه الجماعات الرهبانية حاجتها إلى بناء سور حول مكان تجمعاتها ليحميهم من أخطار الصحراء ووحوشها الضارية ويحمى زراعاتهم النامية من زحف رمالها ويمنع عنهم عواصفها .
المنشوبيات
كشفت البعثات الآثرية فى القلالى على أجزاء من أسوار ” المنشوبيات ” بالقلالى، أخذت أشكال المربع والمستطيل والمخروط، وذلك للحفاظ على تماسكها وهى ذات سمك مختلف يتراوح ما بين 70 إلى 80 سم ، يزيد أحيانًا إلى المتر ومنه ما بلغ 120 سم، وكانت هذه الأسوارعالية يبلغ ارتفاعها فى متوسط المترين وقصيرة الطول وكثيرة التعاريج ويدعمها كتل من الأكتاف والجوانب حتى لا تغشاها الرمال أو يجتازها اللصوص. وأقاموا المزاغل وفتحات السهام فى الأجزاء العليا من السور وفوق البوابات وذلك لصب المواد الكيماوية منها على الذين يهاجمونهم .
أمّا مادة بناء الأسوار فهى الطوب اللبن لأنه مقاوم البرودة والحرارة. وأحيانًا تبنى بالطوب الأحمر ويغطيها ملاط من الطين أو الجبس وعادة ما وجد مدخل واحد فقط للمنشوبية ويقع فى الحائط الشرقى أو الجنوبى من سورها وأحيانًا يقع فوقه برجان وظيفتهما الحماية
حصون المنشوبيات
أشار العالم الأثرى “والترز” بكتابه ” الأديرة الأثرية فى مصر ” إلى اكشاف البعثات الأثرية لحصون داخل بعض المنشوبيات، ففى أحدها عثر على بقايا لحصن يرتفع حتى طابقين أو ثلاثة طوابق، كان طابقه الأول دون أبواب أو فتحات لنوافذ سفلية أو علوية كما جرى الكشف عن حصن أخر فى منشوبية تنتمى لمجموعة قصور العزيلة يحيط به نحو مائة وعشرين قلاية .
كنائس المنشوبيات
وأشار الدكتور شكرى يوسف شكرى إلى أن الكنائس فى منشوبيات القلالى فى بداية تأسيسها تتصف بصغر حجمها، وهى عبارة عن قلاية أو حجرة صغيرة استخدمها الرهبان فى الصلاة ومع مرور الوقت قام رهبان كل منشوبية ببناء كنيسة مستقلة واحدة داخل منشوبيتهم استخدموا الطوب اللبن والطفلة فى بنائها واعتمدوا على عمد الخشب فى عمل أعتاب الأبواب والنوافذ وأخذت الكنيسة فى شكلها الخارجى ثلاثة أشكال هى الصليب والدائرة التى تشير إلى الله الذى ليس له بداية أو نهاية والسفينة تيمنًا بفلك سيدنا نوح الذى أعاد الحياة للخليقة مرة ثانية.
وكشفت البعثات الأثرية عن عدد من كنائس المنشوبيات بلغت أطوال أحداها 17م طولًا، 10 م وكانت مزودة بخزان مياه .
وكان اتجاه الكنائس فى المنشوبيات يمتد من الشرق إلى الغرب حيث اشتركت مع الاتجاه العام للكنائس المصرية وتميزت كنائس المنشوبيات بوجود مدخل واحد فقط يقع فى الناحية الجنوبية منها .
مبانى الخدمات بالمنشوبيات
وجد بالمنشوبيات بعض الغرف الصغيرة التى جرى استخدامها مخازن للثياب والخبز وأدوات العمل مثل أنوال النسيج وعجلة الفخارى ومخازن لخامات العمل مثل سعف النخيل والغاب والقصب وأنشأوا دورة مياه تسير وفق نظام جيد وتمثل عنصر حضارى وبئر ماء عذب ومطبخ صغير.
نظام العمل
كان للعمل ضرورة داخل المنشوبيات، اشترك فيه كل الرهبان وكانت الأعمال تتوزع بين الزراعة التى تضمن لهم جانبًا كبيرًا من غذائهم وأشار ” والترز ” إلى ابتكار رهبان المنشوبيات بالقلالى نظامًا دقيقًا للزراعة حيث قسموا الأرض إلى أحواض واتبعوا نظامًا بسيطًا لرى الأرض الزراعة ولكنه تميز بالدقة حيث اعتمدوا فيه على كميات المياه التى تمدهم بها الآبار ونقلوها إلى أحواض وأوصلوها بقنوات مبطنة بالطوب الأحمر ثم قاموا بتوزيع المياة عبر أنابيب فخارية تصل بالأرض المنزرعة كما عرفوا الأعمال الحرفية البسيطة مثل صناعة الخبز أو الحرف النسجية وأهمها صناعة الحصير والسلال وحياكة الملابس الكتانية التى يرتدونها .
أشار الرحالة بالاديوس صاحب مصدر بستان الرهبان إلى عمل بعض رهبان المنشوبيات بحرفة نساخة الكتب والأسفار المقدسة واشتهر بعضهم بالكتابة وزخرفة المخطوطات كذلك اقتنوا الكتب ووجدت مكتبات صغيرة داخل قلايات الرهبان أطلق عليها ” خزانة الكتب”.
بئر المياه
كانت المنشوبيات تحتوى على بئر ماء داخلها غير أن بعضها لم يكن يحتوى على بئر وكان يخصص راهب من أعضائها لتولى مهمة جلب الماء من بئر خارجها وتوزيعه على الرهبان .
القلايا
ذكر الدكتور” عزت قادوس ” فى كتابه ” مواقع أثرية غرب الدلتا ” أن بناء القلالى داخل المنشوبيات يكون بملاصقة سورها كما أحيطت بفناء المنشوبية الداخلى وفتحت أبوابها على الفناء نفسه أو التفت حول كنيسة المنشوبية دون انتظام، وتكونت مادة بناءها من الطوب اللبن أو الجيرى أو الحجر فى بعض الأحيان، أمّا أسقفها فتغطت بالقباب أو أنصاف القباب أو القبوات البرميلية وأنصافها .
ويختتم الدكتور شكرى يوسف شكرى بأن العلماء حددوا أربعة نماذج من أشكال القلالى داخل المنشوبيات، أولها يتمثل فى صف من القلالى يفتح على دهليز طويل مغطى بقبو، والقلاية عبارة عن حجرة مستطيلة أو مربعة الشكل ويغطيها قبو نصف دائرى أو نصف برميلى، أما النموذج الثانى فهو عبارة عن صف من القلالى يفتح على دهليز مغطى بقبو والقلاية تحتوى على حجرتين أولهما حجرة متسعة بعض الشىء وهى للمعيشة واستقبال الضيوف والرهبان الجدد والحجرة الثانية صغيرة وضيقة وتسمى ” المحبسة ” وهى المكان الذى يشهد صلوات الراهب الشخصية، أمّا الشكل الثالث فعبارة عن صفان من القلالى فى مواجهة بعضهما وتفتح أبوابهما على دهليز مقبى، والشكل الرابع يتكون من ثلاثة صفوف من القلالى واثنان منها يفتحان على دهليز مقبى أمّا الثالث فله مدخل أخر .
واحتوت القلالى فى داخلها على بعض العناصر المعمارية البسيطة من أهمها ” حنية ” تقع فى اتجاه الشرق منها يؤدى الراهب قانون صلاته باتجاهها، كما احتوت على بعض بواكى فى جدرانها يستخدمها الراهب مثل دواليب صغيرة لوضع قطع الملابس أو سلال الخبز أو الكتب وقنديل الإنارة.
واهتم الرهبان بتزيين قلاليهم وخاصة حناياها بزخارف دينية آدمية تمثل تصاوير السيد المسيح والسيدة العذراء مريم والملائكة وشخصيات وأحداث من الكتاب المقدس وزخارف الصليب بأشكاله المتنوعة وزخارف نباتية مثل الأشجارالمثمرة ومنها الكروم والنخيل والرمان وأنواع الزهور وبتلاتها وزخارف هندسية وكتابية تعبر عن رموز مقدسة مثل أحداث الصلب والفداء والقيامة والحياة الأخرى .
وكانت القلاية تحتوى على قطعة من حصير أو من جلد الحيوانات المستأنسة تصلح لجلوس ونوم الراهب وبعض سلال مصنوعة من القصب أو سعف النخيل يوضع بداخلها كسرات الخبز الجاف الذى يتغذى عليه الراهب أو يقدمه للزائر كما وجد بها إناء بسيط مصنوع من الفخار لحفظ ماء الشرب وأحيانًا كان يحتفظ الراهب بإناء آخر لحفظ قليل من الزيت . واحتوت على حوض صغير به ماء يلزم لنقع سعف النخيل وسيقان الكتان لإعدادهما للاستخدام فى الصناعات اليدوية كما وجد ببعض القلالى مائدة صغيرة لتناول الطعام.




