حضارة وتاريخ

مزادات عالمية لبيع قطع الآثار المصرية

(أشهر لصوص الأثار المصرية ٤٢)

كتب/ د. قاسم زكى

عضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين

تعد الآثار المصرية كنوزًا عالمية تحمل فِي طياتها تاريخ وحضارة شعب عظيم، ومع ذَلِكَ، فإن هَذِهِ الآثار تتعرض لخطر كبير بسبب تجارة الآثار غير المشروعة وبيعها فِي المزادات العالمية، فيتم تهريب الآثار المصرية لقيمتها المادية العالية، فتصل قيمة القطع الأثرية النادرة فِي السوق السوداء إلَى مبالغ طائلة، مما يشجع المهربين عَلَى المخاطرة بتهريبها، وهناك طلب كبير عَلَى القطع الأثرية المصرية فِي العديد من دول العالم، سواء من قبل جامعي الآثار أَوْ المتاحف الخاصة، وسهولة تهريبها يغري المهربين، فيمكن إخفاء القطع الأثرية الصغيرة بسهولة داخل الحقائب أَوْ الشحنات، مما يسهل عملية تهريبها.

كَيْفَ تتم عمليات البيع؟
تُعقد مزادات عالمية بشكل دوري، حَيْثُ تعرض فيها قطع أثرية مصرية مسروقة للبيع، وأهم دور المزادات العالمية الَّتِي تتخصص فِي الآثار المصرية هي:

1 -كريستيز (Christie”s):
تعتبر كريستيز من أقدم وأشهر دور المزادات العالمية، تأسست فِي لندن عام 1766م، تتميز بتنظيم مزادات فنية عالمية بمشاركة نخبة من جامعي التحف والفنون، وتضم قائمة مشتريها العديد من الشخصيات المهمة والمتاحف العالمية، تعرض كريستيز بشكل دوري قطعًا أثرية مصرية نادرة فِي مزاداتها، مما يجعلها وجهة رئيسية لهواة الآثار المصرية.

2- سوثبي (Sotheby”s):
هي الأخرى من دور المزادات العالمية الكبرى، وتأسست فِي لندن عام 1744م، تشتهر سوثبي بتنظيم مزادات فنية عالمية، وتضم قائمة مشتريها أيضًا العديد من الشخصيات المهمة والمتاحف العالمية، كَذَلِكَ تعرض سوثبي مجموعة واسعة من القطع الأثرية المصرية، بدءًا من التماثيل والتمائم وحَتَّى المومياوات.

3- بونهامز (Bonhams):
تعتبر بونهامز واحدة من أقدم دور المزادات فِي العالم، وتأسست فِي لندن عام 1793م، تشتهر بتنظيم مزادات متنوعة، بما فِي ذَلِكَ الآثار والتحف الفنية، وتعرض بشكل دوري قطعًا أثرية مصرية فِي مزاداتها، خَاصَّةً فِي أقسام الآثار والفنون القديمة.

4- دور مزادات أخرى (بالإضافة إلَى هَذِهِ الدور الثلاثة الكبرى، هناك العديد من دور المزادات العالمية الأخرى الَّتِي تعرض الآثار المصرية، مثل:
فيليبس (Phillips): وهي دار مزادات عالمية تأسست فِي لندن عام 1796م.
دومينيك لورييه (Dominique Levillain): وهي دار مزادات فرنسية متخصصة فِي الآثار والفنون القديمة.
ودور المزادات العالمية الكبرى مثل كريستيز وسوثبي، لها فروع فِي الولايات المتحدة الأمريكية، وتعرض أَحْيَانًا قطعًا أثرية مصرية فِي مزاداتها.

مزادات عالمية لبيع قطع الآثار المصرية المسروقة
مزادات عالمية لبيع قطع الآثار المصرية المسروقة

ما الَّذِي يميز سوثبي وكريستيز؟
كلاهما يتمتع بتاريخ عريق يمتد لقرون، مما أكسبهما سمعة طيبة وثقة كبيرة لدى عملائهما، كذا التنوع فِي القطع المعروضة بدءًا من اللوحات والمنحوتات وحَتَّى المجوهرات والأثاث القديم، يعمل لديهما فرق من الخبراء المتخصصين فِي مختلف مجالات الفنون والتحف، مما يضمن تقييم القطع المعروضة بدقة وتحديد قيمتها الحقيقية، وتتمتعان بشبكة واسعة من العملاء فِي جميع أنحاء العالم، مما يضمن وصول القطع المعروضة إلَى أكبر عدد ممكن من المشترين المحتملين، وبكليهما أقسام مختلفة، مثل قسم الفن الحديث والمعاصر، وقسم المجوهرات، وقسم العقارات الفاخرة، تتمتع سوثبي خَاصَّةً بحضور قوي فِي المنطقة العربية، حَيْثُ افتتحت العديد من المكاتب والفروع فِي دول عربية مختلفة، مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر، وتسعى من خلال هَذِهِ الفروع إلَى تعزيز حضورها فِي المنطقة، وتلبية احتياجات جامعي التحف والفنون العرب.

سوثبي وكريستيز تحظيان بشعبية كبيرة عالميًا:
فكليهما تتميز مزاداتهما بالشفافية، حَيْثُ يتم الكشف عَنْ هوية البائع والمشتري (فِي أغلب الأحوال)، وتتوفر معلومات تفصيلية عَنْ كل قطعة معروضة، كذا يقدمان ضمانات للمشترين بخصوص صحة وسلامة القطع الَّتِي يشترونها، وحضور مزاداتهما يعتبر حدثًا اجتماعيًا هامًا، حَيْثُ يجتمع نخبة من جامعي التحف والفنون، تحرصان عَلَى توفير أعلى مستوى من الخصوصية والأمان لعملائهما، وهما تلعبان دورًا هامًا فِي عالم الفن، حَيْثُ تساهمان فِي تحديد قيمة الأعمال الفنية، مما يساهم فِي تطوير سوق الفن، واكتشاف المواهب الفنية الجديدة من خلال تنظيم مزادات خَاصَّةً بأعمال الفنانين الشباب، وتعملان عَلَى الحفاظ عَلَى التراث الثقافي من خلال بيع القطع الأثرية والتحف النادرة، وذلك وفقاً لما نشر عبر موقع دار كريستيز للمزادات.

سوثبي وكريستيز والآثار المصرية:
للأسف، شهدت دارا سوثبي وكريستيز، عرض- وبشكل دوري- قطع أثرية مصرية نادرة مهربة بطرق غير شرعية فِي مزاداتهما، مما يجعلهما وجهة رئيسية لهواة الآثار المصرية ويتم بيع القطع الأثرية المصرية المسروقة، هَذَا الأمر أثار جدلًا واسعًا حول دور المزادات فِي الحفاظ عَلَى التراث الثقافي، ودفع العديد من الدول إلَى تشديد قوانينها المتعلقة بتهريب الآثار، ولتجنب هَذِهِ المشكلة، يجب عَلَى دور المزادات اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتأكد من أَنَّ القطع المعروضة للبيع تم الحصول عليها بشكل قانوني.

عمومًا يثير بيع الآثار المصرية فِي مزادات أَوْ متاحف عالمية الكثير من الجدل، حَيْثُ يحظر قانون الآثار المصري الصادر عام 1983م الاتجار بالآثار وبيعها، ولكن هناك الكثير من الآثار المصرية الَّتِي خرجت قبل هَذَا التاريخ، عَنْ طريق الإهداء، أَوْ بموجب قانون القسمة الَّذِي كان يسمح للبعثات الأثرية الأجنبية باقتسام الآثار المكتشفة مع مصر، لَكِنَّ فِي الوقت نفسه هناك الكثير من الآثار الَّتِي خرجت بطريقة غير شرعية، الَّتِي تعمل مصر عَلَى استردادها بالتعاون مع المسؤولين فِي الدول الَّتِي تعرض فيها هَذِهِ الآثار، يعد من أشهرها مؤخرًا استرداد تابوت الكاهن “نجم عنخ” من متحف المتروبوليتان فِي الولايات المتحدة الأميركية، ولمزيد من التفاصيل حول قضايا الآثار يمكنكم متابعة “الدليل نيوز”.

المواقع الإلكترونية لبيع الآثار:
لا يقتصر الأمر عَلَى دور المزادات الكبرى فقط، فهناك عشرات المواقع الإلكترونية الَّتِي تعرض آلاف القطع الأثرية المصرية للبيع المباشر أَوْ عَنْ طريق المزادات، وتتم عملياتها فِي هدوء، ولا يبدو أنها تلفت انتباه السلطات المصرية، من بين الكثير من المواقع يبرز موقع “ميدوسا آرت” (Medusa art) الكندي، وهو أحد أشهر تجار الآثار عَلَى الإنترنت، ويخصص قسمًا للآثار المصرية القديمة يعرض مئات القطع الأثرية المتنوعة بحالات رائعة.

وهناك موقع آخر يعمل مُنْذُ سنوات وهو موقع “إنشنت ريصورس” (Ancient Resource) الَّذِي أسسه الأميركي “جابرييل فاندفورت”، ويقول إنه حصل عَلَى القطع الأثرية من مزادات عالمية ومتاحف كبيرة فِي أوروبا وأميركا.

بدوره يبيع موقع “بركات جاليري” فِي القدس مجموعة من روائع الآثار المصرية، تشمل التماثيل واللوحات الحجرية المنقوشة بالهيروغليفية والأقنعة، وموقع “لابادا” (LAPADA) بلندن يضم مجموعة كبيرة من تجار الآثار والأعمال الفنية.

وبجانب المواقع المتخصصة الَّتِي أشرنا إليها أعلاه، تنتشر عروض بيع الآثار المصرية عَلَى مواقع المزادات الإلكترونية الشهيرة مثل كاتاويكي (Catawiki) وإيباي (eBay).

آثار هَذِهِ المزادات عَلَى مصر:
ممارسة تلك المزادات لأعمالها فِي عرض وبيع قطع الآثار المصرية المهربة يتسبب فِي فقد مصر جزءًا هامًا من تراثها التاريخي والثقافي، وتؤثر هَذِهِ الممارسات سلبًا عَلَى السياحة الأثرية فِي مصر، حَيْثُ يفضل العديد من السياح زيارة القطع الأثرية فِي أماكن تواجدها بالخارج، وتمثل الآثار المصرية جزءًا هامًا من الهوية الوطنية المصرية، وسرقتها تعتبر إهانة للتاريخ المصري.

جهود مصر لاسترداد آثارها:
وتقول وزارة السياحة والآثار المصرية إنها تتابع كافة المزادات العالمية، والمواقع الإلكترونية الخاصة ببيع وتجارة الآثار، وتتواصل مع أصحابها للمطالبة بشهادات رسمية تثبت ملكية الآثار المعروضة، ووفقا لتصريحات سابقة لمدير إدارة الآثار المستردة شعبان عبد الجواد، فإنه إذا لم يتم تقديم شهادة الملكية يعتبر الأثر مسروقًا أَوْ مهربًا، وتبدأ محاولات استعادته.

تبذل مصر جهودًا كبيرة لاسترداد آثارها المهربة، من خلال التعاون الدولي مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية لمكافحة تهريب الآثار، كذا تم وضع قوانين صارمة لعقاب مهربي الآثار، مع استخدام التكنولوجيا الحديثة فِي حماية الآثار وتتبع القطع المسروقة، بجانب ذَلِكَ يتم تنظيم حملات توعية لمكافحة تهريب الآثار، وتشجيع المواطنين عَلَى الإبلاغ عَنْ أي حالات اشتباه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights