
د. قاسم زكي، عضو اتحاد كتاب مصر، واتحاد الآثاريين المصريين
حين شعر المصريون بالهزة الأرضية التي وقعت فجر الثالث من أغسطس 2026م، عاد سؤال قديم يفرض نفسه: كيف استطاعت أهرامات الجيزة، وفي مقدمتها هرم خوفو، أن تصمد أمام الزلازل وعوامل التعرية طوال نحو 4600 عام، بينما انهارت مبانٍ أحدث منها بآلاف السنين؟
لم يكن ما واجهته الأهرامات مجرد اهتزازات ضعيفة؛ فقد تعرضت مصر عبر تاريخها لزلازل قوية، أشهرها زلزال عام 1303م الذي وقع قرب جزيرة كريت، وتُقدَّر قوته بنحو ثماني درجات، وأحدث أضرارًا واسعة.
في فجر الثالث من أغسطس 2026م، شعر سكان القاهرة وعدد من المحافظات بهزة أرضية بلغت قوتها، وفق البيانات الأولية المتداولة، نحو 5.5–5.6 درجة، وكان مركزها في منطقة خليج السويس. مرّت الهزة من دون أضرار كبيرة، لكنها أعادت إلى الأذهان سؤالًا طالما حيّر المهندسين والمؤرخين: كيف صمد الهرم الأكبر أمام الزلازل وعوامل التعرية طوال نحو 4600 عام، بينما انهارت مبانٍ أحدث منه بآلاف السنين؟
يقدم بحث حديث، نشره فريق من العلماء المصريين في دورية Scientific Reports، إجابة علمية جديدة عن جانب من هذا السر. فقد أظهرت قياسات دقيقة أن الهرم الأكبر لا يهتز بالإيقاع نفسه الذي تهتز به الأرض المحيطة به، الأمر الذي يقلل احتمال وقوع ظاهرة «الرنين» القادرة على تضخيم الاهتزازات وإلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت.
تاريخ طويل من مواجهة الزلازل
شُيد الهرم الأكبر في عهد الملك خوفو، نحو عام 2560 قبل الميلاد، فوق هضبة الجيزة الصخرية. وكان ارتفاعه الأصلي قرابة 146.6 متر، بينما بلغ طول كل ضلع من قاعدته نحو 230 مترًا، وغطى مساحة تقارب 5.3 هكتارات (نحو 12.62 فدانًا). وقد ظل أعلى بناء صنعه الإنسان طوال نحو 3800 عام.
وخلال هذا التاريخ الطويل، تعرضت مصر لزلازل متعددة. وكان من أعنفها زلزال الثامن من أغسطس سنة 1303م، الذي وقع مركزه على الأرجح قرب جزيرة كريت وشرق القوس الهيليني. وتُقدر قوته بنحو 8 درجات، وهي قيمة تقديرية لأن الزلزال سبق اختراع أجهزة القياس الحديثة. وقد وصلت شدته في القاهرة إلى الدرجة التاسعة تقريبًا على مقياس ميركالي، وأحدث أضرارًا واسعة في مصر وشرق البحر المتوسط، كما صاحبته موجات مدّ بحري ضربت الإسكندرية.
ويُعتقد أن هذا الزلزال أسهم في سقوط أجزاء كبيرة من كسوة الأهرامات الخارجية المصنوعة من الحجر الجيري الأبيض، مع أن نزع أحجار الكسوة لاستخدامها في مباني القاهرة كان عاملًا مهمًا أيضًا. ورغم ذلك، بقي الجسم الأساسي للهرم متماسكًا.
وفي 12 أكتوبر 1992م، ضرب مصر زلزال بلغت قوته نحو 5.8–5.9 درجة، وكان مركزه بالقرب من دهشور. وتضررت آلاف المباني، وسقطت بعض الأحجار من الجزء العلوي للهرم، لكن كتلته الأساسية ظلت مستقرة.
كيف قاس العلماء «نبض» الهرم؟
لم يكن ممكنًا تعريض الهرم لتجربة زلزالية مصطنعة أو الحفر داخله؛ لذلك استخدم العلماء تقنية غير متلفة تعتمد على تسجيل «الاهتزازات المحيطة». وهي حركات بالغة الصغر تنشأ باستمرار بفعل الرياح وحركة المرور والنشاط البشري والاهتزازات الطبيعية للأرض.
وضع الفريق أجهزة قياس شديدة الحساسية في 37 موقعًا داخل الهرم وخارجه، شملت حجرة الملك وحجرة الملكة والممرات وحجرات تخفيف الضغط والأحجار الخارجية والصخر المحيط. ثم طبق الباحثون طريقة تُعرف بتحليل النسبة الطيفية بين الحركة الأفقية والرأسية، ويُختصر اسمها بالإنجليزية إلى (HVSR).
أتاحت هذه الطريقة تحديد «التردد الطبيعي» للهرم؛ أي الإيقاع الذي يميل البناء إلى الاهتزاز عنده إذا تعرض لقوة خارجية. وأظهرت النتائج أن معظم أجزاء الهرم التي أمكن قياسها تمتلك ترددًا طبيعيًا يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط يقترب من 2.3 هرتز، بينما يبلغ التردد الغالب للتربة المحيطة نحو 0.6 هرتز فقط.
الرنين… حين يضخم الإيقاع الخطر
يمكن تبسيط مفهوم الرنين بتخيل طفل يجلس على أرجوحة. عندما ندفع الأرجوحة في اللحظة المناسبة وبالإيقاع نفسه، تزداد حركتها تدريجيًا حتى لو كانت كل دفعة صغيرة. وبالمثل، إذا توافق تردد اهتزاز الأرض أثناء الزلزال مع التردد الطبيعي للمبنى، يمكن أن تتضخم حركة المنشأة، فتظهر الشقوق أو تنهار أجزاء منها.
أما إذا اختلف الترددان بدرجة واضحة، فإن انتقال الطاقة من التربة إلى المنشأة يصبح أقل كفاءة، وينخفض خطر تضخم الاهتزاز. وهذا ما رصده الباحثون في حالة الهرم الأكبر: فإيقاعه الطبيعي أعلى بوضوح من إيقاع الأرض المحيطة.
لكن هذا الاختلاف ليس حصانة مطلقة، ولا يعني أن الهرم لا يتأثر بالزلازل؛ إذ تتوقف الأضرار أيضًا على قوة الزلزال ومدته واتجاه موجاته، وحالة الأحجار والفواصل بينها، وخصائص الأساسات.
شكل هرمي يمنح الاستقرار
لا يفسر اختلاف التردد وحده بقاء الهرم، بل تتضافر معه مجموعة من الخصائص الهندسية:
أولها القاعدة المربعة العريضة، التي تبلغ مساحة سطحها أكثر من خمسين ألف متر مربع، فتوزع الكتلة الهائلة على مساحة كبيرة. وثانيها انخفاض مركز الثقل؛ لأن معظم الأحجار تتركز في الجزء السفلي، ثم تتناقص الكتلة تدريجيًا كلما اتجهنا إلى القمة.
أما التناظر الشديد بين جوانب الهرم الأربعة فيساعد على توزيع الأحمال والإجهادات، ويقلل نقاط الضعف الناتجة عن عدم انتظام الشكل. كما أن ميل الجوانب يجعل القوى تتجه إلى أسفل ونحو الداخل، بدلًا من تركيزها في جدران رأسية مرتفعة.
ويختلف الهرم بذلك عن الأبراج الطويلة النحيلة التي تتأرجح بشدة أثناء الزلازل؛ فهو بناء ضخم وقصير نسبيًا مقارنة بعرض قاعدته، شديد الصلابة والاستقرار.
هضبة الجيزة وحجراتها الداخلية
اختار البناؤون موقعًا فوق صخر جيري طبيعي متماسك، ولم يقيموا الهرم فوق رواسب رخوة قد تضخم الموجات الزلزالية أو تتعرض للهبوط. كما سُويت القاعدة بدقة استثنائية، مما أتاح توزيع الأحمال بصورة شبه منتظمة.
ورصدت الدراسة انخفاضًا في الاهتزازات بالقرب من حجرات تخفيف الضغط الخمس الواقعة فوق حجرة الملك. وتتكون هذه الحجرات من فراغات متتابعة تفصل بينها كتل حجرية ضخمة، تعلوها أحجار مائلة تساعد على توجيه الأحمال بعيدًا عن سقف الحجرة. وقد يكون لهذه البنية الداخلية دور إضافي في تغيير مسار طاقة الاهتزاز وتخفيف تضخمها في الأجزاء العليا.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن هذه الحجرات صُممت أصلًا لمقاومة الزلازل؛ فالغرض المؤكد منها هو حماية حجرة الملك من ضغط ملايين الأطنان من الأحجار التي تعلوها.
هل عرف المصريون علم الزلازل؟
من المغري القول إن مهندسي مصر القديمة حسبوا الترددات بوحدات الهرتز وصمموا الهرم وفق قوانين هندسة الزلازل الحديثة، لكن الدراسة لا تثبت ذلك. فالقياسات الحالية تكشف خصائص البناء بعد اكتماله، ولا تقدم وثيقة تؤكد أن مقاومة الزلازل كانت هدفًا مقصودًا.
غير أن هذا التحفظ لا ينتقص من عبقرية المصري القديم. فقد امتلك المهندسون معرفة تجريبية تراكمت عبر أجيال من البناء؛ من المصاطب إلى هرم زوسر المدرج، ثم أهرامات ميدوم ودهشور وصولًا إلى أهرامات الجيزة. وربما تعلموا من الشقوق والتصدعات وتغير زوايا البناء، فاختبروا المواد والمواقع وطوروا طرق توزيع الأحمال.
والأدق علميًا أن نقول إن البنائين اتخذوا قرارات هندسية ممتازة، ترتبت عليها فوائد زلزالية حقيقية، سواء كانوا يقصدون كل هذه الفوائد أم كانت نتيجة لخبرة بنائية متراكمة. ويشدد خبراء مستقلون على أن قياسات الاهتزازات الضعيفة لا تكفي وحدها للتنبؤ بسلوك الأحجار أثناء زلزال عنيف، حين قد تنفتح الفواصل أو تنزلق الكتل وتتغير صلابة البناء.
عبقرية تتحدث بلغة العلم
لا يحتاج الهرم الأكبر إلى أساطير كي يثبت عظمته. فدقة اختيار الموقع، واتساع القاعدة، وانخفاض مركز الثقل، والتناظر الهندسي، وتدرج الكتلة، وجودة الحجر، وتصميم الحجرات الداخلية، كلها شواهد مادية على حضارة أتقنت تحويل الخبرة إلى بناء يتحدى الزمن.
لقد أضافت الدراسة الحديثة صفحة جديدة إلى فهمنا للهرم: فهذا الصرح لا يقاوم الجاذبية بأحجاره فقط، بل يمتلك استجابة اهتزازية تختلف عن الأرض التي يقوم فوقها، فتقلل أحد أهم أخطار الزلازل، وهو الرنين. وبينما قد تبقى نية البنائين موضع نقاش، تظل النتيجة قائمة أمام أعين العالم: بناء عمره 4600 عام، ما زال ثابتًا، ويواصل تعليم مهندسي القرن الحادي والعشرين معنى أن تتحول المعرفة والخبرة والتنظيم إلى خلود من الحجر.




