
أحيانًا لا يكون أخطر ما في الإنسان ضعفه… بل قوته حين ينسى من أين جاءت.
قد نخجل من دمعة فاضت من أعيننا، ونخفي تعبنا، ونتردد في أن نقول: «لا أستطيع»، ونمد أيدينا إلى أنفسنا قبل أن نمدها إلى الآخرين، خوفًا من أن يرانا أحد ضعفاء.
وفي المقابل، قد تمنحنا الحياة علمًا أو مالًا أو مكانة أو نفوذًا، فننسى أننا كنا يومًا بحاجة إلى من يسندنا، وأننا سنحتاج غدًا إلى من يأخذ بأيدينا.
وهكذا يقع الإنسان بين خطأين متناقضين: يستحي من ضعفه، ويغتر بقوته.
والحقيقة أن كليهما يحتاج إلى وعي.فالضعف ليس عارًا… والقوة ليست امتيازًا للتكبر.
إنهما مرحلتان من مراحل الإنسان، واختباران يكشفان حقيقته.
حين تعرف ضعفك… تعرف ربك
————————————-
قال تعالى:﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]…ليست الآية انتقاصًا من الإنسان، وإنما تعريف له بحقيقته…..نعم أنت ضعيف لأنك تمرض وتتعب وتحزن وتخطئ وتنسى، ولأن في الحياة أشياء لا تستطيع دفعها مهما بلغت قوتك.
لكن الاعتراف بالضعف لا يعني الاستسلام….بل قد يكون أول طريق القوة.
فالإنسان الذي يدرك حدود قدرته يعرف إلى من يلجأ حين تتجاوز الحياة حدود احتماله.
ولو كان الإنسان قادرًا على كل شيء، لما عرف معنى الدعاء. ولو كان مستغنيًا عن الجميع، لما عرف معنى الرحمة. ولو كان يستطيع أن يحمل العالم وحده، لما احتاج إلى صديق أو أخ أو كلمة طيبة.
قال سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].نحن فقراء إلى الله في صحتنا ومرضنا، في قوتنا وضعفنا، في فرحنا وحزننا، وفي بداياتنا ونهاياتنا.
لذلك حين تقول: «لا أستطيع»، لا تجعلها نهاية الطريق.
بل قل: «لكن الله يستطيع».
وحين تقول: «لا أعرف ماذا أفعل»، قل: «يا رب، دلني».
وحين يصبح الطريق أثقل من قدرتك، قل: «اللهم أعني».
عندها يتحول الضعف من عجز يكسر الإنسان إلى افتقار يفتح له باب التوكل.
لا تلبس قناع القوة… فقد يتحول إلى سجن
——————————–
لقد أقنعنا المجتمع أحيانًا أن الإنسان القوي لا يبكي، ولا يعتذر، ولا يقول «لا أعرف»، ولا يطلب المساعدة.وكأن القوة تعني أن يصبح الإنسان حجرًا لا يتألم، وصخرة لا تتعب، وجدارًا لا يسقط….
لكن من قال إن الدموع ضعف؟ومن قال إن طلب المساعدة هزيمة؟
قد يبكي الإنسان لأنه فقد عزيزًا، وقد يتعب لأنه حمل فوق طاقته، وقد يحتاج إلى صديق لأنه يمر بمرحلة قاسية.
كل ذلك لا ينتقص من كرامته، بل يؤكد إنسانيته.
الشجاعة ليست ألا تتألم، وإنما أن تعرف كيف تواجه ألمك دون أن تفقد نفسك.
هناك فرق كبير بين الإنسان القوي والإنسان الذي يتظاهر بأنه قوي.
الأول يعرف حدوده، ولذلك لا يخجل من طلب العون.
أما الثاني فيخشى أن تهتز صورته أمام الناس، فيحمل كل شيء وحده، ويقول: «أنا بخير»، بينما في داخله شيء آخر يقول: «أنا متعب».
ومع الوقت يصبح القناع أثقل من الألم نفسه.
أخطر الأقنعة… أن تقنع نفسك أنك لا تحتاج أحدًا
——————————–
هناك إنسان يرفض يدًا امتدت إليه لا لأنه لا يحتاج إليها، وإنما لأنه يخشى أن يقال عنه: «ضعيف».
يحمل مشكلاته وحده، ويخفي خوفه، ويكتم حزنه، ثم يتساءل ذات يوم:«لماذا لم يقف أحد بجواري؟»وربما لم يكن الناس قساة كما ظن.
ربما أنت الذي أخفيت عنهم حاجتك.
فالناس لا يقرأون القلوب، ولا يستطيعون دائمًا أن يعرفوا ما نخفيه خلف ابتساماتنا.
ولذلك فإن طلب المساعدة من إنسان تثق به ليس ضعفًا، بل صورة من صور النضج.
أن تقول: «أحتاجك» لا يعني أنك عاجز.
——————————–
بل يعني أنك تعرف أن الإنسان لم يُخلق جزيرة معزولة عن الآخرين.
فالإنسان لا يعيش وحده… والمجتمع ليس مجموعة من الجزر ونحن لا نصبح بشرًا كاملين بعيدًا عن الآخرين.
فمنذ اللحظة الأولى في حياتنا ونحن نتعلم من يد تحملنا، وصوت يطمئننا، وقلب يحتوينا.
ثم نكبر وننسى أحيانًا هذه الحقيقة، فنحاول أن نثبت لأنفسنا وللناس أننا نستطيع كل شيء بمفردنا.
لكن المجتمع الحقيقي لا يقوم على أفراد يتنافسون في إثبات الاستغناء، بل على بشر يعرفون قيمة التكامل والتراحم والتعاون.قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
وقال النبي ﷺ:«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» متفق عليه. تأمل كلمة البنيان.
فالحجر لا يفقد قيمته لأنه يستند إلى حجر آخر، بل يصبح أقوى به.وهكذا الإنسان.
قد تكون اليوم سندًا لإنسان يمر بأزمة، وغدًا تحتاج أنت إلى من يسندك. وقد تكون اليوم صاحب النصيحة، وغدًا تبحث عن كلمة.وقد تكون اليوم قادرًا على العطاء، وغدًا تأتي عليك لحظة تحتاج فيها إلى من يعطيك.وهذا ليس ضعفًا… هذه هي الحياة.
احذر قوتك… فقد تكون اختبارك الأصعب
——————————–
إذا كان الضعف يحتاج إلى وعي، فإن القوة تحتاج إلى أخلاق…فليس كل قوي عظيمًا، وليس كل ضعيف قليل القيمة.
قد يكون الإنسان قويًا بماله، أو بعلمه، أو بمنصبه، أو بعلاقاته، أو بقدرته على التأثير في الآخرين.
لكن السؤال الحقيقي ليس: كم تملك من القوة؟..بل: ماذا تفعل بها؟
فالقوة التي تجعل الآخرين يخافون منك ليست بالضرورة قوة…والقدرة على كسر إنسان أضعف منك ليست انتصارًا.
والصوت المرتفع ليس دليلًا على الحجة.
أما القوة الحقيقية فهي أن تكون قادرًا على الأذى، ثم تختار ألا تؤذي…أن تستطيع الانتقام، فتختار العفو.أن تستطيع الإهانة، فتختار الكرامة…أن تملك سلطة، فتستخدمها لحماية من هم تحت مسؤوليتك، لا لإذلالهم.
قال النبي ﷺ:«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.
هنا يعيد الإسلام تعريف القوة.
——————————–
القوي ليس من يسيطر على الناس، وإنما من يستطيع أن يسيطر على نفسه.
أن تكون قويًا… لكن رحيمًا.
أن تكون ناجحًا… لكن متواضعًا.
أن تكون صاحب مكانة… لكن لا تنسى الإنسان الذي كنت عليه قبل أن تصل.
لا تجعل نجاحك حجة على الآخرين
——————————–
من أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن ينسب نجاحه كله إلى نفسه.
ينسى من علّمه، ومن سانده، ومن فتح له بابًا، ومن وقف إلى جواره في لحظة لم يكن فيها قادرًا على الوقوف وحده.
ثم يبدأ في النظر إلى المتعثر وكأنه أقل منه.
لكن الأيام لا تثبت لأحد والاحوال لا تدوم.فالصحة تتغير، والمال يتبدل، والمكانة تزول، والقوة نفسها لها نهاية.
قال تعالى:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54].
إنها دورة الحياة كلها في آية واحدة:ضعف… ثم قوة… ثم ضعف.فلماذا يغتر الإنسان بقوة مؤقتة؟
ولماذا يحتقر محتاجًا، وهو يعلم أن الزمن قد يبدل الأدوار؟
الذي يفهم هذه الحقيقة لا يسخر من مريض، ولا يعاير فقيرًا، ولا يحتقر جاهلًا، ولا يستغل ضعف إنسان.
لأنه يعرف أن النعمة ليست شهادة تفوق على الآخرين، وإنما أمانة واختبار.
لا تجعل صورتك أمام الناس أهم من حقيقتك أمام الله
——————————–
قد يصنع الإنسان لنفسه صورة مثالية أمام الناس، ثم يصبح أسيرًا لها. إذا اعتاد الناس أنك لا تخطئ، ستخاف الاعتراف بالخطأ.وإذا اعتادوا أنك لا تحتاج أحدًا، ستخجل من طلب المساعدة…وإذا اعتادوا أنك قوي دائمًا، ستخشى أن يروك متعبًا…وهكذا تصبح الصورة أهم من الحقيقة.
لكن الإنسان الناضج لا يعيش من أجل أن يحافظ على إعجاب الناس به، وإنما يعيش من أجل أن يكون صادقًا مع نفسه وربه.
ليس مطلوبًا منك أن تكون إنسانًا بلا ضعف.
———————–
المطلوب أن تعرف ضعفك دون أن تستسلم له، وأن تعرف قوتك دون أن تتكبر بها.لا تقل: «أنا ضعيف، إذن لا أستطيع».
قل: «أنا ضعيف في هذا الأمر، لكنني سأتعلم، وسأحاول، وسأطلب المساعدة».
ولا تجعل فشلك هو هويتك.
أنت لست عثرتك.ولست حزنك.
ولست أزمتك.أنت أكبر من لحظة ضعفت فيها.
وقد تتعثر اليوم، لكنك تستطيع أن تنهض غدًا.قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
كن قويًا دون أن تتكبر… وضعيفًا دون أن تنكسر
وأجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يكون الأقوى، وإنما أن يكون الأكثر إنسانية.
إذا ضعفت، فلا تحتقر نفسك.
وإذا احتجت، فلا تخجل من طلب العون.وإذا بكيت، فلا تعتبر دموعك هزيمة.وإذا أخطأت، فاعترف وتعلم.
وإذا نجحت، فلا تتكبر.
وإذا قويت، فاحمل الضعيف.
وإذا امتلكت، فأعط المحتاج.
وإذا ارتفعت مكانتك، فتذكر أنك عبد لله.
فالحياة ليست مسابقة لإثبات من لا يحتاج أحدًا.
إنها رحلة نتبادل فيها الأدوار:
نسند حين نستطيع، ونُسند حين نحتاج.نعطي حين نملك، ونقبل حين نفتقر.نقوى اليوم، ونضعف غدًا.
وفي كل الأحوال تبقى الحقيقة الكبرى:نحن إلى الله أفقر، وهو عنا أغنى.فلا تجعل ضعفك عارًا… لأنه يذكرك بأنك إنسان.
ولا تجعل قوتك غرورًا… لأنها تذكرك بأن النعمة من الله.
كن قويًا بالله، متواضعًا له، رحيمًا بخلقه.واجعل قوتك مأمنًا للضعفاء، لا سيفًا عليهم.
واجعل ضعفك بابًا إلى الله، وجسرًا يصل بك إلى الناس، لا جدارًا يعزلك عنهم.
د. إبراهيم حسيني درويش




