مقالات

محمد البقري يكتب: المشهد الصحفي والإعلامي في مصر أمام كلمة فاصلة.. لا وصاية على الصحافة والقانون فوق الجميع

لم يعد المشهد الصحفي والإعلامي في مصر يحتمل المزيد من الاجتهادات الفردية ولا التفسيرات الخاصة للقواعد المنظمة للمهنة فما يحدث لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر وانما اصبح حالة من الالتباس تحتاج الى وقفة جادة تعيد ترتيب المشهد وتضع كل طرف امام مسؤوليته وتعيد للقانون مكانته كمرجعية واحدة للجميع.

القضية ليست مرتبطة بشخص او واقعة بعينها وانما بمشهد كامل يحتاج الى إجابات واضحة لأسئلة لا يجوز أن تظل معلقة…  من يملك حق ممارسة العمل الصحفي ومن يملك حق تمثيل مؤسسة اعلامية ومن يملك حق اصدار البيانات ومن يملك حق مخاطبة المسؤولين باسم الصحفيين ومن يملك حق محاسبة المخالف ومن هي الجهة صاحبة الاختصاص عندما يحدث خلاف.

والحقيقة اننا لسنا أمام فراغ قانوني حتى يصبح كل شخص حرا في وضع القواعد التي تناسبه، فالقوانين والجهات المختصة والنقابات والمؤسسات والهيئات التنظيمية موجودة ولذلك فان المشكلة ليست في غياب القانون بقدر ما هي في محاولة البعض تحويل الاجتهاد الشخصي الى قاعدة عامة والتعامل مع الرأي الخاص وكأنه قرار ملزم للجميع.

الصحافة مهنة لها اصولها ومسؤولياتها وليست مجرد صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي او كاميرا او ميكروفون وليس كل من نشر خبرا أصبح مؤسسة إعلامية ، كما ان امتلاك صفحة او عدد كبير من المتابعين لا يمنح صاحبه صفة مهنية او سلطة تمثيل جهة او مؤسسة فالصحفي يعمل من خلال اطار مهني واضح والوسيلة الاعلامية التي ينتمي اليها هي التي يعرف الجمهور من خلالها مصدر الخبر والجهة المسؤولة عنه.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين الصحفي والصفحة الشخصية فالصحفي الذي يعمل داخل مؤسسة اعلامية لا يعني ان كل حساب شخصي ينشئه يتحول تلقائيا الى وسيلة اعلامية مرخصة لنشر الاخبار فالمهنة شيء والوسيلة شيء اخر ولكل منهما اطاره وضوابطه ومسؤوليته وتحويل الصفحات الشخصية الى منصات اخبارية مستقلة يفتح الباب امام فوضى في مصادر الاخبار ويصعب على المواطن معرفة الجهة المسؤولة عما يقرأه.

وفي الوقت نفسه يجب ألا يتحول تنظيم المهنة الى باب مغلق امام الشباب فالمتدرب والخريج الجديد هما مستقبل الصحافة والطريق الطبيعي لاكتساب الخبرة هو العمل والتدريب داخل مؤسسة واضحة الصفة يتعلم من خلالها اصول المهنة ويبني سجله المهني تحت اشراف مسؤولين يتحملون واجباتهم تجاهه وتجاه الجمهور.

وليس من المقبول أن يتحول كارنية عضوية النقابة الى أداة لاقصاء الزملاء او الوقوف أمام طموحاتهم فمن أكرمه الله بعضوية النقابة فليحمد الله على ما وصل اليه، وليتذكر انه كان يوما في مكان زملاء يمارسون العمل داخل مؤسسات اعلامية منذ سنوات ولم يتمكنوا من القيد لاسباب خارجة عن ارادتهم فلا تجعل ما انعم الله به عليك سببا في التضييق على غيرك او محاربته واحب لزميلك ما تحبه لنفسك فالكارنية يمنح صاحبه صفة مهنية ولا يمنحه سلطة على زملائه او حقا في اقصائهم.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الاجتهاد الشخصي الى سلطة على الاخرين عندما يقدم شخص نفسه امام المسؤولين والراي العام باعتباره مسؤولا عن الصحفيين في منطقة معينة ثم يخاطبهم مطالبا بعدم التعامل الا مع اشخاص محددين باعتبارهم صحفيي المنطقة ويحذر من التعامل مع غيرهم وكأن هناك جهة رسمية منحته حق تحديد من هو الصحفي ومن ليس صحفيا.

وهنا يصبح السؤال واضحا من منحه هذا الاختصاص ومن اعطاه الحق في تحديد صحفيي منطقة كاملة ومن فوضه في توجيه المسؤولين الى من يتعاملون معه ومن يتجنبونه فالصفة المهنية لا يمنحها شخص لغيره ولا يسحبها شخص من غيره والاعتماد له جهاته والبيانات الرسمية لها مصادرها والمحاسبة لها مؤسساتها.

لا توجد منطقة في مصر لها قانون صحفي خاص ولا توجد مجموعة تملك تفويضا ذاتيا لتحديد صحفييها ولا يجوز لاحد ان ينصب نفسه وصيا على المهنة او متحدثا باسم الصحفيين دون سند واضح فالاختلافات والمخالفات تعالج من خلال الجهات صاحبة الاختصاص وليس من خلال قوائم او تحذيرات او بيانات تصدر من افراد لا يملكون سلطة اعتمادها.

واذا كان هناك صحفي يخالف القواعد او شخص يمارس العمل دون سند او مؤسسة لا تلتزم بالضوابط فهناك جهات مختصة تملك حق النظر والمحاسبة اما ان يتولى الافراد هذه المهمة بانفسهم فيصدرون الاحكام ويوجهون المسؤولين فهذا لا يضبط المشهد وانما يزيده ارتباكا
ومن هنا تأتي الحاجة الى تدخل واضح من الجهات المعنية لوضع خريطة مهنية وقانونية واضحة تحدد صفة الصحفي وحدود عمل المتدرب ومسؤولية المؤسسة وضوابط النشر عبر الوسائل المختلفة ومن يملك حق اصدار البيانات ومن يملك حق المحاسبة حتى يعرف كل طرف حدوده وتنتهي حالة الاجتهاد التي جعلت البعض يتعامل مع نفسه باعتباره مرجعية فوق القانون.

وإذا كانت هناك ثغرات في القانون فمعالجتها تكون من خلال الجهات المختصة واذا كانت هناك حاجة الى تعديل اللوائح فليتم تعديلها واذا كان هناك مخالف فليحاسب من خلال الجهة التي منحها القانون هذا الاختصاص اما ان يضع الافراد قواعد من عندهم ثم يتولوا تنفيذها ومحاسبة الاخرين عليها فهذه ليست عملية تنظيم وانما فوضى جديدة
نحن لا نحتاج الى حرب داخل الوسط الصحفي والاعلامي ولا الى صراع على من يملك المشهد وانما نحتاج الى تنظيم يحمي الصحفي الحقيقي ويحمي المؤسسة الجادة ويحمي المتدرب ويحمي المواطن من الاخبار مجهولة المصدر ويعيد للمهنة احترامها وهيبتها.

فالصحافة ليست بطاقة فقط وليست صفحة شخصية وليست كاميرا او ميكروفونا وانما مهنة ومسؤولية وامانة ومن يريد ان يتحدث باسم مؤسسة فعليه ان يكون مفوضا منها ومن يريد ان يصدر بيانا باسم الصحفيين فعليه ان يملك الصفة التي تمنحه هذا الحق ومن يريد محاسبة المخالف فعليه ان يكون صاحب اختصاص.

وفي النهاية يجب ان تكون الرسالة واضحة للجميع القانون للجميع والمرجعية واحدة والاختصاص محدد والمحاسبة من حق الجهات التي منحها القانون هذا الاختصاص لا من حق افراد قرروا ان يمنحوا انفسهم سلطة ليست لهم
استقيموا يرحمكم الله فالصحافة ليست ملكية خاصة ولا ساحة نفوذ ولا بابا خلفيا لصناعة السلطات والصفحات الشخصية لا تصنع مؤسسات والبطاقات لا تمنح صاحبها حق احتكار المهنة او التحدث باسمها.

آن الاوان ان تتوقف الاجتهادات وان يعرف كل طرف حدوده وان يتحدث القانون وحده.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights