سرجون كيسو الأديب العراقي الذي يكتب بروح آشور في بلاد الاغتراب

بقلم : ميار شرف الدين
في زمن تتسارع فيه الهويات وتتشابك الثقافات، يبرز اسم الكاتب العراقي سرجون ش كيسو كصوتٍ أدبي يحمل ذاكرة الحضارات القديمة ويعيد تقديمها بروحٍ معاصرة نابضة بالحياة. فمن قلب بلاد الرافدين إلى فضاءات المهجر في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يفقد هذا المبدع صلته بجذوره، بل حوّلها إلى جسرٍ ثقافي يمتد بين الشرق والغرب، مؤكداً أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً ولا يعترف بالمسافات.
يُعرف كيسو بقدرته اللافتة على المزج بين الهوية الرافدينية العريقة والتجربة الإنسانية الحديثة. ففي كتابه “أنوناكي: أصداء من آشور” (Anunnaki: Echoes from Assur)، يغوص في أعماق الميثولوجيا العراقية القديمة، مستحضراً الأساطير التي وُلدت على ضفاف دجلة والفرات، ليعيد تشكيلها في قالب فانتازي تاريخي حيّ. لا يكتفي الكاتب باستحضار الماضي، بل يعيد صياغته بلغة أدبية معاصرة، تُخاطب القارئ الباحث عن الجذور والمعنى في آنٍ واحد.
أما في عمله “يسوع: الأيام السبعة الأخيرة” (Jesus: Last 7 Days)، فيتجه نحو فضاء اللاهوت، مقدماً قراءة مختلفة للأحداث المقدسة من منظور شرق أوسطي أصيل. هنا، يحاول كيسو تفكيك الرموز الدينية وإعادة تفسيرها عبر عدسة البيئة التي نشأت فيها، ليمنح النصوص بعداً إنسانياً وثقافياً أعمق.
وتبلغ التجربة الإنسانية ذروتها في روايته “حجاب الراقصة في ظلال الحب” (The Dancer’s Veil in the Shadows of Love)، حيث يدخل الكاتب إلى عوالم الصراع الديني والاجتماعي بشجاعة أدبية واضحة. من خلال قصة “نحلة” المرأة المسلمة و”آشور” الرجل المسيحي، يرسم لوحة إنسانية مؤثرة عن الحب في زمن الانقسام، مؤكداً أن المشاعر الصادقة قادرة على تجاوز كل الحواجز، وإعادة تعريف الإيمان والعدالة في مواجهة الفساد والتعصب.
وفي السياق ذاته، تأتي رواية “الوعد بالعودة” (Promise to Come Back) لتغوص في عمق الألم الإنساني، حيث تتناول قضايا الفراق والتضحية وسط أجواء الحروب، مقدمةً صورة صادقة لمعاناة الإنسان المشرقي وتطلعاته في عالمٍ مضطرب.
ولا يقتصر إبداع كيسو على الرواية والبحث، بل يمتد إلى الدراما، كما في عمله “آلام مريم المباركة” (Passion of Blessed Mary)، الذي يقدم معالجة وجدانية عميقة لشخصية مقدسة، في محاولة لإبراز أبعادها الإنسانية والروحية بأسلوب مؤثر.
في مجمل أعماله، يقدم سرجون ش كيسو نموذجاً للأديب الملتزم بهويته، المنفتح على العالم في آنٍ واحد. هو كاتب يعيش في المهجر، لكن قلبه لا يزال معلقاً بتراب بلاد ما بين النهرين، يستلهم منها رؤاه ويعيد صياغتها بلغة عالمية. وهكذا، تتحول كتاباته إلى رسالة إنسانية تتجاوز الحدود، حاملةً في طياتها دعوةً للحب والسلام، ومؤكدة أن وهج الحضارة العراقية ما زال قادراً على الإضاءة في كل زمان ومكان.



