حين يتحوّل الاختلاف إلى معركة تكفير..

بقلم: د. إبراهيم درويش
ما يحزن حقًّا أن يتحوّل الخلاف بين أبناء الدين الواحد، والقبلة الواحدة، والكتاب الواحد، من تنوّعٍ مشروع في الفهم إلى سبابٍ وتكفيرٍ وتضليل. باتت التهم تُلقى بغير علم، وتُوزَّع بلا حساب، وكأن الألسنة صارت أسلحة، والعقول ساحات اقتتال. مفارقة موجعة نراها كل يوم: فريقٌ يُحقِّر علماء مشهودًا لهم بالعلم والديانة لأنهم لا يوافقون توجهه أو أيديولوجيته، وفريقٌ آخر يرفع بعض العلماء والمشايخ إلى مقام العصمة، فلا يرى إلا رأيهم، ولا يسمع إلا صوتهم، ويُسفِّه كل ما سواهم.
هذه الحال لا تُناقض الأخلاق وحدها، بل تُصادم العقل والمنطق، وتُهدِّد السلم المجتمعي، وتفتح أبواب الفتنة على مصاريعها.
أولًا: تشخيص الظاهرة من اختلافٍ محمود إلى صراعٍ مذموم
—————————————-
الاختلاف سنة كونية، وضرورة عقلية، وواقع بشري لا يمكن إنكاره. لكن الفارق شاسع بين اختلافٍ يُثري الفكر، وخلافٍ يُفجِّر المجتمع.
الاختلاف المحمود هو اختلاف الدليل والفهم والاجتهاد، حيث يتسع الصدر للرأي الآخر، ويُحترم المخالف، وتُدار المسألة بالحجة لا بالشتيمة.
أما الخلاف المذموم فهو الذي يتحوّل إلى تخوين وتكفير، وإقصاء واحتقار، حيث يُختزل الدين في جماعة، وتُحتكر الحقيقة باسم اتجاه أو شيخ، وتُلغى العقول بدعوى “سلامة المنهج”.
لقد حذّر الوحي من هذا المنزلق حين قال الله تعالى في القرآن الكريم:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾فالنتيجة الحتمية للنزاع هي الفشل، وضياع القوة، وتآكل الثقة بين أبناء المجتمع.
ثانيًا: سيولة التكفير والتبديع… لماذا انتشرت؟
لم تأتِ هذه الظاهرة من فراغ، بل نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة:
1) الجهل المركّب
وهو أخطر من الجهل البسيط؛ إذ يظن صاحبه أنه يعلم، فيجرؤ على الحكم على الناس، وتوزيع صكوك الهداية والضلال. ومع انتشار المحتوى السريع والمقاطع المختزلة، صار بعض الشباب يتلقّى دينه في دقائق، ثم يتصدّر للمحاسبة والتصنيف.
2) تديين الأيديولوجيا
حين تتحوّل الفكرة أو الجماعة إلى “دين داخل الدين”، يصبح الانتماء للتنظيم أو التوجّه مقدّمًا على مقاصد الشريعة، ويُقاس الحق بالرجال لا الرجال بالحق.
3) تضخّم الذات الدينية..
بعض الأفراد يتعامل مع فهمه على أنه “النسخة النهائية” من الإسلام، فيُسقِط عن غيره نية الخير، ويحتكر الصواب، وينسى أن الكمال لله وحده.
4) منابر بلا ضوابط..
وسائل التواصل الاجتماعي منحت الصوت لمن لا علم له، فاختلط العالم بالمتعلم، والحكيم بالمتحمس، وغاب ميزان التخصص.
ثالثًا: بين تحقير العلماء وتأليه الشيوخ..
من أخطر مفارقات هذا العصر أننا وقعنا بين نقيضين كلاهما مرفوض:
تحقير العلماء: بدعوى أنهم “مميَّعون” أو “لا يواكبون المرحلة” أو “مخالفون للمنهج”، مع تجاهل تاريخهم العلمي ومكانتهم، وكأن الخلاف في مسألة يسقط عشرات السنين من العطاء.
تقديس الشيوخ: حيث يُرفع الشيخ إلى مقام العصمة، فلا يُخطئ، ولا يُراجَع، ولا يُناقَش، وتُبرَّر زلّاته، ويُهاجَم كل من خالفه.
وقد لخّص الإمام الشافعي هذه القاعدة الذهبية بقوله:“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.”فمن ضيّع هذه القاعدة، ضيّع العلم، وأفسد الدين.
رابعًا: الآثار الخطيرة على المجتمع والشباب..
هذا المناخ المشحون لا يمرّ بلا ثمن، ومن أخطر نتائجه:تفكيك وحدة المجتمع وتحويله إلى جزرٍ متصارعة. وتشويه صورة الدين في أعين الشباب، حين يرون التدين مرادفًا للغلظة والعنف اللفظي.
دفع بعض الشباب إلى الإلحاد أو اللامبالاة هروبًا من صراع لا يفهمونه. وتهيئة بيئة للتطرف؛ فالتكفير يبدأ بالكلمة، وقد ينتهي بالفعل.
خامسًا: كيف نعالج الأزمة؟ خريطة طريق عقلانية
المعالجة لا تكون بالشعارات، بل بخطوات عملية واضحة:
1) إحياء فقه الاختلاف
وتعليمه في المدارس والجامعات والمنابر، بوصفه جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي، لا ترفًا فكريًا.
2) إعادة الاعتبار للعقل والمنهج
العقل في الإسلام أداة فهم لا خصم إيمان، والمنهج العلمي يقتضي التثبّت، ومعرفة السياق، وفهم المقاصد، لا اقتناص العبارات.
3) ضبط الخطاب الديني
بوضع معايير أخلاقية وعلمية للحديث باسم الدين، وتجريم خطاب الكراهية الديني، أيًّا كان مصدره.
4) تحصين الشباب
بتعليمهم التفريق بين العالم والداعية، وبين الرأي والدليل، وبين الاجتهاد والنص القطعي.
5) القدوة العملية
حين يرى الناس علماء يختلفون بأدب، ويتحاورون باحترام، سيتعلّم المجتمع قبل أن يتلقّى المواعظ.
سادسًا: قاعدة ذهبية لإنقاذ العقول
الدين أوسع من أن يُحتكر، وأعمق من أن يُختزل، وأرحم من أن يُستعمل سلاحًا في وجه المخالف.
من ظنّ أنه يملك الحقيقة كاملة فقد جهل نفسه قبل أن يجهل غيره، ومن أدرك نسبيّة فهمه اقترب من جوهر الحكمة.
خاتمة: نداء إلى الضمير
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الخلاف، بل أخلاق الخلاف.
لسنا بحاجة إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تهذيبه، ولسنا مطالبين بتوحيد الآراء، بل بتوحيد القلوب على مقاصد كبرى: حفظ الدين، وصيانة العقل، وحماية المجتمع.
فإذا لم نُراجع عقولنا، ونضبط ألسنتنا، ونربِّ أبناءنا على سعة الصدر، فسنظل ندور في مأزق غير أخلاقي، يدفع ثمنه ديننا قبل دنيانا، وشبابنا قبل شيوخنا.
فاللهم ألّف بين قلوبنا، واهدِ عقولنا، واجعل اختلافنا رحمة لا نقمة.



