مقالات

بعض الحوادث على أرض مصر

بقلم: زياد تامر

لا يمضي يوم قد أنهى مهمته ووقّع انصرافه على دفتر الكون إلا وتحتفل مصر بظهور تريند أو اثنين، وسعيد الحظ من ظلّت أصداء التريند خاصته في ذاكرة الشعب لبضعة أيام كي يستغل هذا الصدى ليأتي مزيدًا من الاستفزاز والدعاية كي يُطيل من عُمر شهرته -أو بمعنى أدق شعوره أنه أخيرًا صار مرئيًا يتحادث الناس عنه بالمدح أو بالسباب.
نصحو على تريند ونغفو على خبر القبض على بعض أصحابه، وليس للناس مفرٌّ من مواجهة التريند وعاصفة الجدال وحلبة القُضاة التي تمثلها المصريون في تعليقاتهم، تتصارع التعليقات كلٌّ يرغب في إبداء رأيه الحرّ -أو سكب غضبه المكبوت. ودائمًا ما ألزم الصمت ولا أُلقي تعليقًا أترك نفسي من خلاله عُرضة لشتيمة أو لسخرية أحدهم وما أكثر الحسابات الغريبة على منصة فيسبوك!
لذلك وجدتُ أن أكتب محاولة لمقال عن بعض الحوادث -التريند- قد توفر عليّ مشقة الأحكام.

الطبيبة ومدّعية المرض.

انقسم الناس بين مؤيدٍ ومعارض وساخر لحادثة طبيبة الأطفال في مستشفى دهب والسيدة التي طلبت منها -بوقاحة؟- أن تعلق لها محلولًا هي في غنًى عنه في الطوارئ، وقامت الطبيبة بحركة غير لائقة وصفها الناس بالانحدار الأخلاقي، دعك من الحزبين الذين علّقا، معروف في مصر وضع الأطباء المزري في المستشفيات الحكومية وخاصة حديثو التخرج، وما يلاقونه من ضغوطات ومصائب وبعض الاعتداءات تجعلهم في النهاية بليدي الحس، عمليين. علّق العديد من الأطباء على تجاربهم في رحاب المستشفيات من سهر وما لاقوه من أهل الموتى ومدّعي المرض، وأضيف تعليقًا أنه انتشر موضوع ساخر عن بعض الفتيات اللائي يدّعين المرض ويرغبن في تعليق محلول كي يثرن شفقة من يحبونهن من خطّاب أو أزواج، فإذن موضوع الإدعاء ليس شيئًا مفاجئًا للجمهور ولكن ما أسرع ما ينسَ المصريون! والحزب الذي يرى الطبيبة على حق وباطل معًا لتلك الحركة التي قامت بها بيدها أمام الكاميرا، هذا الحزب كأنه لم يَسِر في الشارع المصري من قبل! ولم يسمع مشاجرة بين العمال أو المواطنين! ولم يجلس مع الشباب يستمع إلى فكاهاتهم ومزاحهم!
كل ما في الأمر أن الكاميرا لم تصورهم بعد بينما صُورت تلك الطبيبة التي لم تفعل شيئًا يختلف عن باقي الشعب.
كان من بين الآراء ما يقول أن المرأة وضعها غير الرجل وقد أتت بكل المنكرات أمام الكاميرا فهل يفكر أحد في الزواج منها إن فكر؟ وتناسى صاحب الرأي صلب الموضوع.
وأعود وأسأل؛ لما يُحكم على الأفعال أمام الكاميرا فقط بينما خلف الكاميرا الكل متسامح كريم؟
ولفت نظري شيء آخر؛ أنه بمنتهى البساطة يفتح أحدهم الكاميرا ويقوم بالتصوير والصراخ ثم ينشره لينتشر وتقع عملية النقد خاصتنا، ثم عملية اللقاءات والأسئلة وبالطبع كل من تمت مقابلتهم على حق ويحدث مزيد من الجدال. وأن مدعية المرض أكثر صحة من الطبيبة نفسها!

حلوان تتحدث.

انتشر مقطع خطير ومُضحك عن مجموعة من الفتيات يصوّرن صاحب الفيديو ثم تقوم أحداهن بالصراخ بكلام مبهم ثم ينصرفن فورًا بلا كلام، بينما يتساءل صاحب الفيديو؛ ماذا بهن؟!
كانت طرافة المقطع سبب انتشاره السريع ولكن كان عندي سؤال؛ ماذا لو لم يصور صاحب المقطع الأمر برمته؟
كان بثٌّ اتضح من خلاله أن واحدة منهن هي ابنة عم صاحب المقطع وبينهم مشاكل عائلية، وآخر مع بعض تحليل الجمهور يقول أنها محاولة اثبات تهمة التحرش باءت بالفشل، دعك من صلة الرحم فهذا موضوع لوحده، ما أوقفني لو تمت التهمة بنجاح وانهالت على الرجل اللكمات والضربات ثم اُقتيد إلى قسم الشرطة، هل كان سيصدقه أحد؟
انتشرت ظاهرة التحرش حتى بات من الصعب التفرقة بين جانٍ ومجني عليه، كثير من اللوم على المرأة صاحبة المشكلة، وقليلٌ من الهجوم على مرتكب المشكلة، ثم مزيدٌ من الدفاع عن اضطهاد المرأة، كل ذلك رد فعل سليم لتلك الظاهرة، ولكن هنالك من يستغل الأمر لهدفٍ آخر فيصيح أحدهم؛ تريد الشهرة. هناك بالفعل من يرغبن في ذلك وهناك من تعرضن للأذى ونعود من جديد إلى جدلية البريء والمجرم.
وهذا المقطع يوضح جانبًا من تلك الجدلية لولا تصوير الرجل لهن، ببساطة يمكن لكاميرا أن تدمر سمعة رجلٍ وتودي بمستقبله.
ولا أناصر الرجل على المرأة أو العكس، شهدتُ مرة فتاة جلست مع صاحباتها ولمّا سألنها عن وجومها غرقتْ في البكاء، لأن رجلًا في المواصلات تحرش بها ولم تملك الجرأة حتى لتوقفه عند حده.
أنا هنا أتحدث عن قضية إنسان ضد إنسان، مصري أجرم في حق مصريّ مهما كانت الظروف، هل نحن في معركة باردة البقاء فيها للأنصح والأقوى؟ فلا فرق بين الرجل والمرأة أمام الخطأ.

عودة الرقص المصريّ.

يظهر مقطع لممثلة ترقص ويشيد بها الناس، يقول البعض أنه مازال هناك قبسٌ من الرقص المصري الأصيل، ومازالت هناك مواهب أصيلة لا تبتذل للشهرة بالشكل الرخيص. انتشر المقطع بشدة وكانت عين الممثلة قد حازت شهرة كبيرة لمشهد أدته في فيلم عُرض قبل أشهر في دور السينما.
ويأتي حزب آخر ويهتف أن الرقص رقص في نهاية الأمر، يجتمع السكارى ليشاهدوه، يثير الناس ويأتي بالفتن، هل توجد راقصة ترقص على مسرح الأوبرا؟ وأجزم بشكل كبير أن الحزب الأول هاجم الأخير واتهمه بالتخلف والتشدد.
وأترك حكم الأمر لأصحاب العلم فمهما كانت قناعاتي توجد للآخرين قناعاتهم وتختلف معاييرها باختلاف النفوس، والكل متأكد أنه على حق، الراقصة على حق، المؤيدون وكذلك المعارضون. فمن على حق؟

الجالية المصرية والسورية

معروفٌ أمر العائلة في واقعة صلاة العيد، وكانت معركة شديدة لتثبت الإدانة واختلفت الأقاويل، منها أن العائلة سورية وأن السوريين طغوا في البلاد. وأنهالت الرغبات الحارة في ترحيل العائلة وبالمرة كل السوريين، وكانت فرصة لكارهي السوريين أن يعبروا عن صادق كرههم لأولئك الناس، ألا يكفي معاقبتهم؟ هل سننام مرتاحين وهم في سوريا يبدأون من الصفر في ظل الفقر والخراب؟ وهكذا باقي السوريين؟
ولكن اتضح أنهم مصريون، وثار المشككون وبدأت نظريات المؤامرة، وتوجب على أحد أفراد العائلة أن يحكي الحكاية. وبين مؤيد ومعارض؛ بالفعل الشباب آخر ما يهمهم الصلاة وأكثر ما يهمهم محادثة الفتيات، لو ضايقكم الناس لما لم تغيروا مكان السيارة؟ هل هذه ملامح مصريين! بالفعل الناس لا تحترم الآخرين ويعيثون بالفساد، تلقون العيدية وأنتم في شرفتكم بدل وضعها يدًا بيد؟! هذا تكبر؟ انظر لتلك الفتيات! إلخ.

وأخيرًا لا أمنع أن أتساءل ماذا لو لاقت تلك المحاولة لكتابة المقال نجاحًا وشهرة؛ هل سأصير تريند؟ وماذا سأفعل حينها؟

للمزيد من المقالات والتحليلات، تابعوا قسم مقالات الرأي في “الدليل نيوز”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights