مقالات

سامية نجيب تكتب: قانون الأحوال الشخصية في غرفة الإنعاش.. والشعب القبطي وحده يدفع الثمن

بين نصوص قديمة، وتعديلات متعاقبة، وملفات أسرية معلقة، يقف قانون الأحوال الشخصية للأقباط وكأنه مريض داخل غرفة الإنعاش، ينتظر قرارًا ينقذه من سنوات طويلة من الجدل والمعاناة.

وفي قلب المشهد يقف المواطن القبطي، لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن هدم الأسرة، وإنما يريد قانونًا واضحًا وعادلًا يحفظ قدسية الزواج، وفي الوقت نفسه لا يترك إنسانًا يعيش سنوات داخل زواج انتهى فعليًا وأصبح مجرد ورقة على جدران الواقع.

لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة عام 1938 ظلت لعقود طويلة أحد أهم الأطر المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية، ثم جاءت تعديلات عام 2008 لتغير عددًا من النصوص، خصوصًا فيما يتعلق بأسباب التطليق.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

إلى متى تظل قضية الأحوال الشخصية معلقة بين الماضي والحاضر؟

الزواج في المسيحية ليس مجرد عقد يمكن إنهاؤه بسهولة، بل هو سر مقدس ورابطة لها مكانتها الدينية والإنسانية. وهذه الحقيقة يجب أن تظل محفوظة.

لكن الحفاظ على قدسية الزواج لا يعني تجاهل الحالات الإنسانية الصعبة، ولا يعني أن يتحول الزوجان إلى خصمين يعيشان تحت سقف واحد سنوات طويلة، بينما القانون لا يمنحهما طريقًا واضحًا للخروج من علاقة استحالت فيها الحياة.

المشكلة ليست في حماية الأسرة، وإنما في السؤال الأصعب:

ماذا نفعل عندما تنهار الأسرة بالفعل؟

هناك زوجات يعشن سنوات في هجر وإهمال، وأزواج يعانون من مشكلات زوجية عميقة، وأطفال يدفعون ثمن الصراع بين الأب والأم، وملفات تتراكم أمام الجهات المختصة، بينما تظل الحلول محدودة ومعقدة.

والأخطر أن المواطن العادي كثيرًا ما يجد نفسه أمام شبكة من المصطلحات والإجراءات واللوائح، ولا يعرف في النهاية: ما حقه؟ ومن يملك القرار؟ وما الطريق القانوني والكنسي الصحيح؟

لقد تغير المجتمع كثيرًا منذ عام 1938.

تغيرت الحياة، وتغيرت طبيعة العلاقات الأسرية، وتغيرت المشكلات الاجتماعية، وأصبحت هناك قضايا لم تكن موجودة بالشكل نفسه منذ عشرات السنين.

فهل يعقل أن تظل بعض الحلول مرتبطة بمنظومة تشريعية عمرها عقود طويلة دون أن نطرح بجدية سؤال التطوير؟

إن الحديث عن قانون أحوال شخصية موحد أو متطور للمسيحيين يجب ألا يتحول إلى معركة بين مؤيد ومعارض.

القضية أكبر من ذلك.

إنها قضية **إنسان وأسرة وطفل ومستقبل**.

نحن لا نريد قانونًا يفتح باب الطلاق على مصراعيه، ولا نريد أيضًا قانونًا يغلق الباب أمام إنسان أصبحت حياته الزوجية مستحيلة.

نريد قانونًا يوازن بين الأمرين.

قانونًا يحمي الزواج قبل أن ينهار، ويمنح فرصًا حقيقية للإصلاح والصلح، لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن هناك حالات تصل فيها العلاقة إلى طريق مسدود.

فلا يجوز أن تكون قدسية الزواج ذريعة لمعاقبة طرف مظلوم، كما لا يجوز أن تتحول معاناة بعض الحالات إلى ذريعة لهدم قيمة الزواج.

المطلوب هو العدالة.

عدالة تحفظ العقيدة، وتحترم الكنيسة، وتحمي الأسرة، وتحفظ حقوق المرأة والرجل والأطفال.

والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا على مائدة الحوار:

**هل نحن أمام قانون يحتاج إلى تعديل حقيقي، أم أمام ملف نخشى الاقتراب منه؟

الأحوال الشخصية ليست قضية نخبة، وليست قضية رجال قانون فقط، وليست ملفًا كنسيًا بعيدًا عن الناس.

إنها قضية كل بيت قبطي يمكن أن يجد نفسه يومًا أمام أزمة زوجية لا يعرف كيف يتعامل معها.

ولهذا آن الأوان أن يخرج الملف من حالة الصمت إلى الحوار المجتمعي الجاد.

حوار لا يزايد على الكنيسة، ولا يهاجم القانون، ولا يستهين بقدسية الزواج.

بل يبحث عن إجابة واحدة:

**كيف نحمي الأسرة دون أن نترك الإنسان أسيرًا لزواج انتهت فيه كل فرص الحياة؟**

فالقانون الذي لا يرى الإنسان خلف الأوراق يحتاج إلى مراجعة.

والأسرة التي نريد الحفاظ عليها تحتاج إلى حلول، لا إلى تأجيل.

والطفل الذي يعيش بين أبوين منفصلين نفسيًا يحتاج إلى حماية حقيقية، لا إلى مجرد بقاء شكلي للأسرة.

لقد طال انتظار قانون الأحوال الشخصية.

وطال انتظار الأسر.

وطال انتظار حلول تضع حدًا للمعاناة.

فهل يخرج قانون الأحوال الشخصية من غرفة الإنعاش قبل أن يفقد المواطن القبطي الأمل؟

ويبقى السؤال الأكبر:

من يدفع ثمن تأخر الحل؟

الإجابة المؤلمة:
الشعب القبطي.. والأسر المعلقة.. والأطفال الذين لا ذنب لهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights